جان لوئيس بوركهارت
177
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
ويملأون من هذا العجين قدرا تكفيهم مئونة يومهم ، وهم يتركونها من أربع وعشرين ساعة إلى ست وثلاثين يختمر العجين في أثنائها ويحرف طعمه دون أن يضيفوا إليه خميرة ، ثم يقرصونه بعد ذلك رغفانا صغيرة على لوح من الحديد موضوع على نار ، فإذا لم يتيسر فعلى حجر رقيق ناعم ، فإذا حمى الحديد أو الحجر تم خبز الرغيف منها في دقائق ثلاث أو أربع . ولما كانت الرغفان صغيرة ، ولما كان لا يوضع في المرة أكثر من رغيف ، كان خبز قدر كاف منها يتطلب وقتا كبيرا . ومن عادتهم أن يقدموا على المائدة عشرات منها ساخنة في وعاء خشبي كبير ، ثم يصب عليها اللبن أو الحساء أو مرق البصل ( ويسمونه ملّاح ) . وهم لا يضعون في الخبز ملحا وإنما يضيفون الملح إلى المرق . هذا اللون من الطعام هو ما يتناولونه في غدائهم وعشائهم ، وهو لون شديد الخشونة ولكنه ليس كريه الطعم ، وحرافته الطفيفة تجعله سائغا في ساعات الهجير . وهضمه سهل ، وكنت على الدوام أجده يلائمنى . على أن مذاقه يخبث إذا بات ، لذلك لا يخبزونه إلا قبيل الغداء أو العشاء ، وزادهم في السفر من رغفان كهذه ولكنها أرق [ الكسرة ] ، وعجينها يترك يومين أو ثلاثا ليشتد خمره ، فإذا خبزت على النار تركت لتجف في الشمس ثم كسرت كسرا ووضعت في حقيبة من الجلد ويسمونها الأبريه . وهذه الطريقة تحفظ الخبز شهورا فيتناوله التجار حين لا يجدون طعاما مطهوا . وقد يصبون على حفن منه السمن السائح فيكسبه ذلك طعما شهيا . وقد تغمس الكسرة في الماء فيشربونه حين يحرف طعمه ويسمونه « شربة الجلابة » . وكثيرا ما يقدمون على موائدهم اللحم مسلوقا أو مشويا ، واللبن عندهم غذاء رئيسى ، أما البلح فترف عظيم ، ويجلبه تجار دنقلة من المحسّ ، ولا يؤكل إلا في المناسبات غير العادية ، وهو يسلق عادة مع الخبز واللحم واللبن . ولا يشرب القهوة إلا التجار وعلية القوم ، وحتى هؤلاء لا يتعاطونها كل يوم . واللبن الذي يصنعونها منه ليس عربيا ولا يمنيا ، إنما هو بن ينمو بريا في جبال الحبشة الجنوبية الغربية ، ويجلبه تجار سنار من هناك . وهذا النوع يباع في مصر أرخص من