جان لوئيس بوركهارت
159
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
يحفلوا بي وضحكوا منى قائلين إن هذا الثمن الذي عرضته باهظ حقا ، ولكن أحدا منهم لن يفرط في مائه ، وأنهم لم يألفوا هذا التفريط من قبل . فلم يكن لي مندوحة عن مبارحة البئر والأسى يملأ قلبي ، لأن مئونتى من الماء لن تكفيني أنا وحماري إلا يومين على أكثر تقدير . ويجدر بي أن أذكر بهذه المناسبة أنه لا يجدى المسافر في الصحراء أن يحمل من الماء القدر الموفور ، لأن رفاقه سيأخذونه منه عنوة واقتدارا إذا نفد ماؤهم ، فالقاعدة التي يجرون عليها هي أن الخبز والماء مشاعان للجميع ، أي أن القوى يغصبهما من الضعيف . وعرب الصحارى الشرقية يسمحون للفقراء من المسافرين أن يقاسموهم ماءهم مهما كان قليلا ، ولكنك لا تجد هذا الكرم عند الإفريقيين ، وقصارى ما يستطيع المسافر معهم أن يفعله هو أن يتزوّد من الماء بما يكفيه الفترة التي يكفى كبار التجار فيها ماؤهم ، فإن أحدا منهم لن يسعفه بالماء ، أما هو فمضطر للنزول عن كل ما يفضل عن حاجته منه ، بل أحيانا عن كل مئونته ليسدّ حاجة رفاقه الأشداء . وتطلعت حول البئر علّى أجد معالم بناء قديم ظنا منى بأن هذا الموضع كان معروفا مطروقا أيام ازدهار تجارة مروى كما هو شأنه اليوم ، ولكني لم أجد أثرا لبناء ، ومع ذلك فإن الموقع كان يصلح لأن تشاد عليه قلعة . والطريق المؤدى للكهف الذي فيه البئر تكاد تسده الكتل الضخمة من الحجر ، وعلى مقربة منه عين أخرى سقط فوقها مؤخرا نتوء في الجبل فطمرها . ولما علم رئيس القافلة - وهو شيخ من العبابدة - بما أصابني من ضر أرسل إلىّ ونحن نهم بالرحيل ، وبعد أن أنحى باللائمة على قسوة المصريين في معاملتى أهداني قدرا من الماء يملأ قربة من القرب الصغيرة . وقد شكرت له بالطبع صنيعه وأثنيت عليه ثناء صادقا ، وإن تبينت أن رغبته في الزراية بالمصريين كانت أشد من غيرته على مصلحتى . وبارحنا شقرة في الضحى ، وقضينا أربع ساعات نطوى سلسلة جبال شقرة وقد بدت لي أعلى جبال النوبة القريبة ، على أن أعلى قممها لا يزيد ارتفاعها عن السهل على ثمانمائة قدم أو ألف . والجبال كلها من الجرانيت ، وهي في كل أرجائها وعرة مهشمة كالجبال المحيطة بالعين . وبعد أربع