جان لوئيس بوركهارت
150
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
بعد خمس ساعات . ووادى علاقى واد طيب يمتد من الشرق إلى الغرب ، وينتهى أحد طرفيه قرب البحر الأحمر فيما روى لي وطرفه الثاني قرب النيل . وفي موسم الأمطار تتجمع السيول الغزيرة فيه وتصب مياهها في النيل ، والوادي عامر بالكلأ النضر والشجر الكثير ، وهذه المزايا النادرة تجعل له في نفوس البدو منزلة أي منزلة . وقد حياه الخبراء حين دنوا منه تحية إكبار وإجلال ، وحمدوا اللّه على أن بلغوه سالمين « السلام عليك يا وادى علاقى الحمد للّه الذي جيناك بالسلامة » . وفيما كنا نعبر الوادي - وعرضه زهاء مائة وخمسين ياردة - أخذ كل منهم حفنة من الذرة وبذرها على الأرض قربانا للروح الطيب الذي يظل الوادي في اعتقادهم . وبعد ست ساعات دخلنا وادى أم قات وبه خزان لماء المطر تستريح عنده القوافل ولكنا وجدناه جافا . ولم نمرّ للآن بواد حفل بأشجار السنط كما حفل بها هذا الوادي ، ورأينا أرجال الجراد وقد تكاثرت على الأوراق والأغصان الغضة تلتهمها التهاما . أما الأرض فمكسوة بالحنظل ، وهو نبات شائع في كل أرجاء هذه الصحراء . وأخذ المسافرون يتلهون بقذف كرات الحنظل وصدها بدرقاتهم في مهارة عجيبة . أما أنا فلم أكن لسوء الحظ أملك درقة فظل أصحابي الدراويون يصوبون كراتهم إلى رأسي في إسراف اضطرنى آخر الأمر إلى أن أستجير برئيس القافلة ليحمينى ، وقد أنقذ هذا الإجراء أنفى من إصابة لا ريب فيها ، ولكن القوم لقبونى بعده « بالواد الخواف » وعلق بي اللقب أياما حتى خلعوا علىّ شرامنه . وكانت وجهتنا اليوم جنوبا بغرب . وتربة وادى أم قات رملية خالصة ، أما التلال فيزول عنها مظهرها الوعر الشائه وتتخذ شكل السلاسل المنتظمة . ورأيت معظم الأشجار جافا لأن الأمطار لم تهطل عليه ثلاث سنين تقريبا ، وقد أدهشني ألا أرى في الرمل آثار أقدام حيوانات متوحشة ولا في الجو طيورا خلا بعض الغربان . وصادفنا كثيرا من البشاريين ومعهم جمالهم المحملة بالسنمكى يقصدون بها الدر ليبيعوها أو يستبدلوا بها ذرة . ولبثنا العشية كلها نضرب في الوادي ثم حططنا بعد مسيرة تسع ساعات . 12 مارس - قمنا قبل الشروق ، فبلغنا نهاية وادى أم قات بعد ثلاث ساعات وتلال هذا الوادي كلها من الجرانيت ، ودخلنا هنا سهلا رمليا فسيحا ، ثم سرنا