جان لوئيس بوركهارت
151
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
ساعتين من بعده مخترقين سلسلة من الجبال صخورها من الحجر الأخضر . وبعد ست ساعات وصلنا وادى الطواشى ، وهو منسوب لأحد هؤلاء الخصيان من سدنة الكعبة الشريفة ، وقد قتل هنا وسرقت منه العطايا التي منحها إياه ملوك دارفور وسنار « * » . ولم أستطع أن أعلم على التحقيق في أية سنة لقى هذا الرجل حتفه ، ولكن أحد الخبراء ذكر لي أن أباه يذكر هذه السنة جيدا . لذلك لست أشك في أن هذا الخصي هو الذي ورد ذكره في رحلة بروس تحت اسم محمد طواش ، وهو الذي وجد هذا الرحالة جثته في هذه البقعة ذاتها بعد أن أسر بدويا من البشاريين القتلة بثلاثة أيام . . وقارىء القصة قد يلحظ التلفيق في تفاصيلها ، ولكنها صحيحة في جوهرها . على أن قتلة الرجل لم يكونوا من البشاريين ، بل كانوا الخبراء الذين رافقوه ، وهم جماعة من العبابدة ينتمون لعشيرة حميداب ، وهي إحدى عشائر عشاباب ، ومقرهم بحيرة القريبة من أدفو على الضفة الشرقية للنيل . وقد لامهم أصحابهم أشد اللوم على ما اقترفت أيديهم ، ومنذ ذلك العهد سقطت عشيرة حميداب من عيون الناس وذهبت ريحها . وقبر الطواشى يقوم على سفح الجبل في البقعة التي سقط فيها صريعا ، وله عندهم مقام أضرحة الأولياء والشهداء . والضريح مبنى بالحجر بيد قبيلة أخرى من العرب . وقد وجدناه مغطى بقليل من الحصر ، وقصدته الجماعة كلها وصلى كثير منهم ركعتين إلى جواره . وفيما هم يرحلون عنه نثروا عليه قربانا من الذرة وغيرها ، وملأوا جرة ماء كان قد تركها عند القبر مسافر قبلنا ، وقامت إلى جوار الضريح عيدان علقت عليها خرق ملونة جريا على عادة العرب ، ورأيت على الأرض رحالا للجمال كان قد وهبها بعض المسافرين إكراما للولي . وأنفقنا ساعات الظهيرة في الوادي الفسيح إلى جوار الضريح الذي سمى الوادي باسم صاحبه ، ثم استأنفنا السير فوق أرض وعرة من الحجارة والرمال . وكان اتجاهنا طوال اليوم إلى الجنوب بانحراف قليل للشرق . وحططنا
--> ( * ) كان خصيان مكة والمدينة إلى عهد قريب يخرجون إلى السودان في رحلات لاستجداء المحسنين . من ذلك أن أحدهم خرج إليه في رحلة عام 1811 فلقى من الإجلال والاحترام - بسبب صلته بالأراضى المقدسة - ما أتاح له جمع الأتباع وتأليف طائفة قوية استطاع بفضلها الاستيلاء على إقليم يحكمه اليوم بوصفه ملكا عليه .