جان لوئيس بوركهارت

145

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

فسرنا خمس ساعات وصلنا بعدها وادى نقيب وبه آبار لها هذا الاسم ، وهو حافل بأشجار السنط ، وعند طرفه بئران عميقتان لا بأس بمائهما . كانت معاملة رفاقى لي مذ رحلنا عن دراو تنطوى على الإغفال بل قل على الامتهان والازدراء . ولست أشك في أنه لم يدر بخلدهم قط أنني أوربى ، بل حسبونى تركى الأصل - من تركية أوروبا أو من الأناضول - وهو رأى يكفى في ذاته لحمل العرب على الإساءة إلىّ وتحقيرى ، لأنهم يكنون للعثمانيين أشد ضروب البغض والكراهية . وكنت أحمل معي فرمانا من حاكم الصعيد إبراهيم باشا بن محمد على باشا ، مشفوعا بخطاب توصية وجهه إلى كل ملوك السودان في طريق سنار ، وقد سميت في الفرمان والخطاب بالحاج أو الشيخ إبراهيم الشامي . على أنني لم أطلع رفاقى على شئ من هذا كله لأسباب لا تخفى ، وكل ما فهموه عنى هو أنني حلبىّ المولد ، وكانوا يعلمون أنني صديق حميم لحسن بك والى إسنا الذي تدخل دراو وفي نطاق ولايته ، وصديق لآل حباتر الإسناويين ذوى التجارة العريضة ، وهم الذين أوصوا بي مراسل الوالي في دراو . ورأى رفاقى أنني لم أجلب من البضاعة إلا أقلها فحسبونى هاربا من مصر بسبب ديوني . ولكني زعمت لهم أنني أبحث عن ابن عم لي مفقود كان قد غادر أسيوط من سنوات قاصدا دارفور وسنار في تجارة أودعت فيها كل مالي . وكانت هذه الحجة التي بررت بها رحلتي تلائم عقلية القوم كل الملاءمة ، فإن ما كنت أحمل من بضاعة ضئيلة لم يكن ليبرر خروج رجل يتمتع بقواه العقلية في رحلة كهذه لا يبغى منها غير الكسب ، فقصارى ما يرجوه من ورائها مهما فسح أمله وعظم تفاؤله هو أن يعود برأس ماله سليما بعد أن يؤدى كل نفقات الرحلة ، لذلك وجدتنى مضطرا إلى اختلاق عذر أبرر به خروجي فيها ، فرحت أردد على مسمع رفاقى أنني كبير الأمل في العثور على ابن عمى المفقود ، أو على الأقل في القصد في النفقة قصدا يجنبنى الخروج من الرحلة خاسرا . ولعل أصحابي لم يكذبوا قصتي ، ولعلهم كذلك لم يستبعدوا أنني خرجت من مصر هروبا من الدائنين ، على أنني تبينت في الوقت نفسه أنهم لم