جان لوئيس بوركهارت

146

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

يستطيعوا أن يخلوا أنفسهم من الغيرة والحسد ، ولعلهم رأوا أنني إن عدت من هذه الرحلة مقتنعا بما تدره التجارة من ربح فقد لا أعدم وسيلة لرحلة ثانية أخرج فيها للسودان برأس مال كبير . وأحسب أن هذا هو الذي حملهم على إساءة معاملتى حتى أعدل عن أية محاولة أخرى من هذا القبيل . ولقد حاول أتراك كثيرون من الأناضول أو من تركية أوروبا - في السنين العشر الأخيرة - أن يشتغلوا بهذه التجارة ، ولكن أهل دراو ما فتئوا يجدون الوسائل لتنفيرهم تنفيرا يزهدهم في إعادة الكزّة من جديد . كان لدى التجار إذن من الدوافع ما يحملهم على الإساءة إلىّ ، ولما تبينوا فىّ فوق هذا كل مظاهر الإملاق ، ورأوني أقطع الخشب وأطهو طعامي وأملأ قربى بيدي ، لم أفضل في نظرهم أجيرا من الأجراء الذين يستخدمهم التجار لقاء عشرة ريالات ينقدونها الواحد منهم في الرحلة من دراو إلى القوز أو شندى ثم إلى دراو ثانية . وكنت حريصا على الإبقاء على العلاقات الطيبة بيني وبين آل علوان وكانوا وجوه التجار المصريين في القافلة ، وخيّل إلىّ أن وساطتهم قد تنفعنى في بلاد الزنج . ولكنهم حين رأوني بالغا في الإملاق مبلغا لا يطمعون معه في الحصول على أي عطاء منى ، نسوا كل ما أغدقت عليهم قبل رحيل القافلة ، وخلت معاملتهم لي من كل أدب واحترام . فبدأوا يغتابون حسن بك والى إسنا ويسبونه بأقذع الألفاظ وراحوا يقولون : أما وقد صرنا الآن في البادية ، فإن جميع البكوات والباشوات لا يساوون في نظر ناقلامة ظفر . فلما لم أبال كثيرا بما يقولون راحوا يخاطبوننى بعبارات ملؤها الزراية والتحقير ، وكانوا لا ينادوننى إلا ب « الولد » . وكانت إهاناتهم لي تزداد يوما بعد يوم ، ولكني كظمت غيظي ولم أرد على الإهانة بمثلها ، فغاية ما كانوا يشتهون هو استفزازى حتى إذا رددت على شتائمهم وجدوا تكأة تبرر اعتداءهم علىّ بالضرب ، وكنت في بداية الرحلة أنضم إلى آل علوان حين تحط القافلة مساء ، وإن كنت أطهو طعامي مستقلا عنهم . على أنهم سرعان ما أقصونى عن جماعتهم ، واضطررت إلى اعتزال الجميع بعد أن أذاع الدراويون أن أشياء سرقت من متاعهم وأنهم يشتبهون فىّ . ولست أريد أن أسرد كل ما أتاه القوم ، ويكفى أن أقول إنه لم تكن تمضى علىّ ساعة دون أن ألقى