جان لوئيس بوركهارت

138

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

وفي أول مارس اجتمع شمل التجار في دراو ، وفي فجر الغد حملت البضائع المختلفة التي ستنقلها القافلة إلى ميدان مواجه للقرية يدعى برزة الجلابة . ولما انتصف النهار سقيت الجمال « * » وأنيخ كل بعير إلى جوار حمله . وقبيل التحميل أقبلت نسوة العبابدة يحملن أوعية من الفخار ملئت جمرا فوضعنها أمام كل حمل ورششن بالملح على الجمر ، فلما تصاعدت منه اللهب الزرقاء عند احتراق الملح طلبن للرجال السلامة ودعون لهم بالتوفيق في الحل والترحال . وهن يزعمن أنهن يطردن بذلك الشيطان وكل روح شرير . ورافقتنا نساء القرية وأطفالها زهاء نصف الساعة بعد خروجنا من القرية . وكان أخص أصدقائي في دراو - وهو رجل يدعى الحاج حسين العلوان أقمت في بيته وأغدقت عليه الهدايا الكثيرة اعتقادا منى بأنه ينوى السفر معي بشخصه ، مما يجعله رفيقا عظيم النفع - كان هذا الرجل قد أعلن في اليوم السابق لرحيلنا أنه باق بدراو . ولكن أخاه وابنه عليا انضما إلى القافلة ، وكانت جماعتهما أكبر جماعات التجار المصريين بيننا وأغناها . وتبعنا الشيخ ونساؤه مسافة بعد القرية ، وأخذ يوصى قريبيه بي خيرا ونحن نفارقه ، وكان يقول لابنه وهو يفتح صدريته ويضع يده على قلبه « إنه أخوك ، فليكن هذا مكانه منك » . وهذه العادة شائعة في صحراء العرب كذلك ، ولها هناك مغزى ودلالة ، أما بين هؤلاء المصريين فليست سوى عبارة جوفاء تلوكها ألسنتهم . ثم سرنا في سهل رملى في شئ كثير من الفوضى التي تنتشر عادة في بداية الرحلات . وكان كثير من الإبل محملا أسوأ تحميل ، وألقت بعض الإبل أحمالها عنها لطول ما ألفت من البطالة ، واضطررنا أن نبيت ليلتنا في واد معشوشب يبعد عن دراو ساعتين ونصفا إلى الجنوب الشرقي ، وهناك نعمنا بأكل ما أعدته نساء دراو من طعام شهى طيب ، وأشعل المسافرون نيرانا كبيرة وأنفقوا الليل في الغناء والضجيج . 3 مارس - غادرنا الوادي مبكرين ودخلنا وادى أم ركبة ، وهو واد عريض

--> ( * ) قبل أن يقوم التجار برحلتهم يغطون إبلهم ثلاثة أضعاف عليقها اليومى من الذرة ويحشون حلوقها أياما متوالية ، فإذا بدأت الإبل الرحلة اخذت تجتر هذا الطعام المختزن أياما .