جان لوئيس بوركهارت

129

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

من عرب المعازة والعطوانى الذين يسكنون شمالي القصير أفلحوا في حرمانهم من الأرباح التي يغلها هذا العمل ، والتزموا به من والى مصر . والعبابدة أثرياء ولكنهم سيئو السمعة يرميهم كل من اتصل بهم بالخيانة والغدر ، فهم غير جديرين بالانتساب إلى الأصل العربي الذي يعتزون به . ولا يتورع الرجل منهم عن الحنث بأي يمين أو قسم ، بيد أنى علمت أنهم يخشون الحنث بوعودهم إذا شفعوها بقولهم « وحياة العافية » . ويشتهرون في الصعيد بما يقتنون من كرام الإبل ، ومن الهجن الخفاف على الأخص ، ولهم تجارة واسعة في السنامكى وفحم السنط ، وكلاهما مستخرج من الأشجار المنتشرة في جبالهم ، ويصدرون الفحم حتى القاهرة شمالا . ولا يقتنى العبابدة من الخيل إلا القليل ، فهم إذا التحموا مع غيرهم من القبائل العربية حاربوا على ظهور جمالهم مسلحين بالدرق والرماح والسيوف . وأهم عشائرهم الفقراء ، والعشاباب ، والمليكاب . وقلما ينزل عرب العشاباب من الجبل إلى ضفاف النيل ، ولكن كثيرين منهم استوطنوا ضفاف النهر قرب مقرات والدامر على طريق سنار ، وتزاوجوا مع الأهالي هناك . والذين يخيمون منهم مع البشارية يتكلمون لغتهم . أما البشارية ، الذين قلما ينزلون من جبالهم ، فقوم أبعد ما يكونون عن العمران الحضري ، وهم أسوأ سمعة من العبابدة . ولا يقتنون غير الإبل والغنم ، وطعامهم الوحيد اللحم واللبن ، ويأكلون أكثر اللحم نيئا . وقد روى لي كثير من النوبيين أن هؤلاء البشارية شديد والغرام بشرب دم الخراف المذبوحة ساخنا ، ويقال إن أحب شئ إليهم وأشهاه أكل نخاع الجمل نيئا . ومنهم من يذهب أحيانا إلى الدر أو أسوان ليبيع السنا والغنم وريش النعام ، فالنعام شائع في جبالهم ، والسنا التي تنتجها جبالهم من أفضل الأنواع . وهم يقايضون على هذه البضائع بأثواب الكتان وبالذرة التي يلتهمون حباتها نيئة لم تدخل النار ويعدونها طعاما شهيا ، وهم لا يصنعونها خبزا قط . ولا يطول مكث هؤلاء التجار في الوادي ، إذ سرعان ما يروعهم الجدري فيفزعون إلى خيامهم . وعرب البشارية لصوص عريقون ، لا يتورعون حتى عن سرقة مضيفهم . ويخرج فتيانهم في غارات للنهب والسلب