جان لوئيس بوركهارت
130
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
فيبلغون دنقلة وطريق سنار ، ومن تحتهم إبل لا تضارعها في صلابتها إبل من شواطئ البحر المتوسط إلى بلاد الحبشة . ولا يتكلم العربية من البشارية إلا القليلون . ولا يخشون من أعدائهم غير العبابدة الذين يعرفون منتجعاتهم من الجبال ويأخذونهم في مضاربهم على غرة . ويستطيع المرء أن يعبر جبال البشارية في صحبة عبادي إذا صفا الجو بين القبيلتين كما هي الحال اليوم ، ولكن يجب ألا يركن إلى هذا العبادي إلا إذا حجز فرد من أخص أقربائه رهينة . وقد وقع كثير من المماليك المشردين فريسة لغدر هؤلاء العرب ، ولم ينج غيرهم إلا بسفرهم في جماعات كبيرة . ويضرب البشارية خيامهم على حدود الحبشة الشمالية وساحل البحر من سواكن إلى مصوع آهل بعشائرهم ، وأهمها : الحمداب ، وبطران ، والعلياب وعمراب ، وغمهتاب ، وحمدوراب ، وأرباب ، والخلة ، والمدوراب ، والسلميلاب ، والأمّرار ، وكلهم يعيشون في مضارب منفصلة ، وبينهم خصام وعراك كثير . ولا يقتنى البشارية الأسلحة النارية . وتستعمل بعض القبائل الضاربة إلى جوار حدود الحبشة السهام والقسي ، ويتكلمون الحبشية أو قل يفهمونها على ما علمت ، فالأحباش يجدون مشقة كبرى في فهم لغة البشارية . ولعل اللغتين مشتقتان من أصل واحد ، شأنهما في ذلك شأن غيرهما من اللهجات الكثيرة السائدة عند الحدود الشمالية للحبشة . وبين أفراد البشارية تراحم وجود وأمانة . ونساؤهم لا يحتجبن ، ويقال إنهن جميلات كالحبشيات ، وإنهن سيئات الخلق . وقد عثرت بعد بحث طويل شاق على شاب بشارى قدم إسنا ليبيع سيور الجلد التي اشتهر قومه بصنعها . وأغريته بالذهاب إلى مسكنى ، وذلك بمساومته على بضاعته ، وحملته على الإقطار معي ، وما إن بدأت بسؤاله عن لغته حتى أبى أن يمكث ، مع أنني أهديته قميصا . فقد توهم أنني أشتغل بالتعاويذ والرقى ، وأنني أبغى استعمال لغته للإضرار بقومه ، فانطلق مقتحما فناء الدار لا يلوى ، ولم تجد معه كل المحاولات التي بذلتها بعد ذلك لحمله على الرجوع .