جان لوئيس بوركهارت

128

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

ولولا طغيان الحكومة واستبدادها لكان النوبيون جيرانا خطرين على مصر فهم يمتازون عن المصريين بالجرأة وحب الاستقلال وشدة التعلق بأرضهم . ويفد على القاهرة منهم كثيرون كل عام ، فيشتغل معظمهم بوابين ، وهم في ذلك مفضلون على المصريين لأمانتهم ، وبعد أن يقيموا بها ست سنوات أو ثمانية يعودون إلى مسقط رؤوسهم بما أصابوا من مال قليل ، مع علمهم بأنهم لن يظفروا في وطنهم بغير خبز الذرة وجلباب الكتان عوضا عما ينعمون به من أطايب القاهرة . والذين لا يهاجرون منهم لمصر قلما يتجاوزون حدود قراهم ، فعامة النوبيين زاهدون في المغامرات التجارية . وقد لقيت في إبريم شيخين أكدا لي أنهما لم يريا الدرقط مع أنها لا تبعد عنهما غير مسيرة خمس ساعات . والذين أقاموا منهم في مصر وتعلموا العربية تجدهم في الغالب مسلمين أتقياء يؤدون الصلوات كل يوم ، أمامن يجهلون العربية فلا يعرفون من الصلاة إلا التهليل والتكبير . ويحج بعضهم إلى مكة بطريق سواكن . وسكان النوبة من أسوان إلى حدود المحس الجنوبية - وهو إقليم طوله نحو خمسمائة ميل ومتوسط عرضه نصف ميل - يبلغ عددهم ، حسب تقديرى ، مائة ألف نسمة . * * * وإلى القارئ نبذة أضيفها عن البدو الذين يقطنون الجبال الواقعة بين النوبة والبحر الأحمر . هؤلاء البدو قبيلتان رئيسيتان ، العبابدة والبشارية . أما العبابدة فيسكنون الإقليم الواقع جنوبي القصير حتى عرض الدر تقريبا ، وأما البشارية فيحتلون الجبال من ثمّ إلى الجنوب حتى سواكن ، وهناك يجدون لإبلهم وماشيتهم الكلأ الذي ينمو في مجارى السيول الشتوية . ويقيم كثير من العبابدة في صعيد مصر على ضفة النيل الشرقية من قنا إلى أسوان ، ومن أسوان إلى الدر ، ولكن أغلبهم ما زال يعيش عيشة البداوة ، ويشتغلون خبراء أو أدلاء لقوافل سنار التي تقوم من دراو ، وكانوا من قبل أدلاء أيضا للقوافل المسافرة من القصير إلى قنا ، ولكن أعداءهم