جان لوئيس بوركهارت

127

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

منهن في كل أرجاء مصر ، وذلك باستثناء من يوجد منهن في الدر ، وهؤلاء لسن من الأهالي ، بل هن إماء معتوقات دفعتهن الفاقة إلى احتراف الفحشاء . ويستهجن النوبيون أشد الاستهجان تلك الرذائل والشهوات البغيضة التي نشرها المماليك في مصر وأذاعوها حتى بين فقراء الفلاحين ، ولا يستثنى من أهل النوبة في هذا غير أفراد أسرة كاشف الذين يحاولون جهدهم أن يحكوا المماليك في كل شئ حتى في أبغض ما يقارفون من آثام . والأنوال الصغيرة شائعة في بيوت النوبيين ، ويغزل عليها النساء عباءات من الصوف خشنة ، وقماشا من القطن يصنعون منه القمصان . كذلك يصنعن من سعف النخل الحصر وكئوس الشراب ، والصحاف الكبيرة التي يقدم فيها الخبز على المائدة - وكلها مصنوعة باليد ، ولكن في صناعتها أناقة وإتقانا يوهمان بأنها مصنوعة بالآلات . ولا تنتج النوبة سوى هذه المصنوعات ، أماما عداها فيستورد من مصر . ولم أر من الآلات الموسيقية في النوبة سوى ضرب من « الطمبورة » المصرية ذات أوتار خمسة وغطاء من جلد الغزال هذا رسمها : وللفتيات غرام بالغناء ، وألحان النوبيين عذبة شجية . ولعبة المنقلة شائعة في الدر ، كذلك يلعب النوبيون اللعبة التي يسمونها « بياض » والتي وصفتها في يومياتى عن البطراء في معرض الحديث عن عرب كرك . وقد رأيت في معظم النوبيين رقة ولطفا وعزوفا عن السرقة ، وهي رذيلة معروفة في مصر ، أو على الأقل في الأقاليم الواقعة إلى الشمال من أسيوط . والحق أن السرقة تكاد تكون معدومة بينهم ، فإذا ثبت أن منهم من اقترف هذا الجرم طرد من قريته بالإجماع . ولم يضع في أثناء رحلتي في النوبة شئ مما أحمل مهماتفه ، مع أنني كنت أنام في العراء أمام البيت الذي أحط عنده . وفي النوبيين عموما كرم وحسن ضيافة للطارق ، وأنقلهم في ذلك الكنوز وأهل سكوت . ويغلب على طباعهم الفضول ، فهم يمطرون الغريب وابلا من الأسئلة عن البلد الذي قدم منه والمهمة التي أتى النوبة فيها .