جان لوئيس بوركهارت

126

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

عريضا والزراعة ميسورة والأهالي على شئ من سعة الرزق وجدتهم أطول قامات وأصح أبدانا . أما في البقاع الصخرية التي لا يتجاوز عرض الوادي فيها عشرين ياردة أو ثلاثين فترى أجسام الناس قميئة هزيلة ، يكاد الرجل منهم في بعض القرى أن يكون هيكلا يخطو أو شبحا يتراءى . أما النساء فلهن قامات بديعة ، ووجوه طلقة حلوة وإن لم تكن جميلة ، وطباع لطيفة غاية اللطف ، بل إنني رأيت بينهن حسانا بارعات الجمال ، ولست أشك في أن دينون قد غمطهن حقهن . ولكن العمل الشاق الذي يقمن به منذ طفولتهن يضنيهن ، فشئون البيت كلها موكولة إليهن ، أما الرجال فمنقطعون للزراعة . ونساء النوبة أعف نساء الشرق قاطبة ، وعفتهن أجدر بالإشادة لما كان ينتظر من تأثرهن بجيرة صعيد مصر الذي يشتد فيه تأثير الغريزة الجنسية . وفي أثناء مكثى بإسنا كان الفتيات يأتين إلى مسكنى كل صباح ليبعننى اللبن ، فكانت المصريات منهن تقتحمن فناء الدار في جرأة وتسفرن عن وجوههن ، وهو مسلك يفهم منه هنا أنهن يعرضن أنفسهن ، أما النوبيات - وكثيرات منهن يقمن مع أسرهن في إسنا - فكن يقفن بعتبة البيت متأدبات لا يتجاوزنها بحال من الأحوال ، ويأخذن ثمن ما بعن من لبن وهن مقنعات . ويبتاع النوبيون نساءهم من والديهن ، ويدفع الكنزى عادة اثنى عشر محبوبا ثمنا لعروسه ، وهو ما يعادل ستة وثلاثين قرشا ، وكثيرا ما يتزاوجون مع عرب العبابدة ، وبعض هؤلاء زراع مثلهم . ومهر الفتاة من العبابدة ستة جمال تعطى لأبيها ، فيرد منها ثلاثة لابنته تكون ملكا لها ولزوجها ، فإذا طلقت أخذ الزوج ثمن نصفها . وإذا أصرت امرأة في الصعيد على أن تطلق من زوجها كان له أن يستولى على جهازها وأن يحلق رأسها ، فلا يتزوجها غيره حتى يطول شعرها . والنوبى شديد الغيرة على عرض امرأته ، فإذا خامرته أدنى ريبة في وفائها له حملها ليلا إلى شاطىء النهر وأغمد مديته في صدرها ، ثم قذف بها إلى النهر طعاما للتماسيح على حد قوله . وقد حدث في أسوان أخيرا حادث من هذا القبيل . والبغاء غير مباح في النوبة ، فلن تلقى فيها العاهرات اللاتي تجد عددا كبيرا