جان لوئيس بوركهارت

118

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

طعام ، فاجرى عليهم معاش سنوى من خزينة السلطان بالقاهرة . وكان يدفع لحامية إبريم أربعة أكياس ، تعادل اليوم مائة جنيه فقط ، ولعلها كانت تساوى في ذلك الوقت أربعة أمثال هذا المبلغ . كذلك جعلت هذه الحاميات مستقلة عن ولاة مصر . وكان معاشها يدفع لها ما دام للولاة سلطان على مصر ، إلا أن المماليك كانوا يحبسونه عادة . وقد حكم حسن قوسي النوبة بجنده ، ومعظمهم من الفرسان ، وكان دائم الحركة في أرجائها ، وكان يدفع لوالى مصر « الميرى » كل سنة ، ولكنه كان فيما خلا ذلك مستقلا عنه . وما زال أحفاد هؤلاء الحند البشناق الذين صاهروا عرب الغربية والجوابرة يحتلون الأرض التي منحت لأجدادهم في أسوان وإبريم وصاى ، وما زالوا يتمتعون بالإعفاء من شتى الضرائب والالتزامات ، وهم يسمون أنفسهم « قلعتجية » أو أهل القلاع ، أما النوبيون فيسمونهم « العثمانلية » . وقد طال نسيانهم للغتهم القومية ، ولكن قسمات وجوههم تنبىء بأصلهم الشمالي ، ولون بشرتهم أسمر فاتح ، أما بشرة النوبيين فأقرب إلى السواد وهم مستقلون عن حكام النوبة الذين يحسدونهم أشد الحسد ، وكثيرا ما يشتبكون معهم في حرب سافرة . ويحكمهم أغواتهم الذين يعتزون إلى اليوم بالفرمانات التي لم تجعل لهم سيدا سوى السلطان . وحدث قبل خمسين عاما أن شيخ عرب الهوارة ، واسمه همام بسط سلطانه على الإقليم من أسيوط إلى أسوان ، ثم مد نفوذه على النوبة التي زارها مرات ، وبلغ نفوذه المحسّ . أما اليوم فحالة البلاد السياسية يمكن أن تشبه ، من الناحية الشكلية على الأقل ، بحالتها يوم بسط حسن قوسي سلطانه عليها . والحكام الثلاثة الحاليون « * » - حسين وحسن ومحمد - هم أحفاده ، وكان أبوهم يدعى سليمان ، وقد اشتهر أمره لحزمه وسطوة حكومته . ولقب كاشف الذي اتخذه الإخوة الثلاث يمنح في مصر لحكام الأقاليم . ويدفع الإخوة ضريبة سنوية قدرها 120 جنبها لوالى مصر ، وهو ما قدّر به ميرى النوبة الذي يحاسب عنه الباشا أمام الباب العالي . وقلما كانت تدفع هذه الضريبة في عهد المماليك ، ولكن محمد على يتسلمها بانتظام منذ ثلاث

--> ( * ) حين احتلت العساكر التركية التي يقودها إبراهيم بك النوبة حتى وادى حلفا ، بعد أن طردت المماليك إلى الجبال الشرقية ، تقهقر الحكام الثلاثة هم وأتباعهم إلى دنقلة وظلوا بها حتى انسحب الترك إلى أسوان ، فعاد الحكام إلى الدر .