جان لوئيس بوركهارت
105
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
إنها تبدو أكثر حيوية من نقوش طيبة ، وتتميز صور الحيوان على الأخص بالأمانة والدقة ، وتتضح أهمية هذه النقوش حين يتأمل المرء الموضوعات التي صورتها ، فهي سجل لحقيقة تاريخية لم يرد ذكرها في أي معبد مصرى آخر . فقد حمل فرعون ألويته إلى بلد تسكنه الأسد والزراف والقردة والفيلة ، وهي حيوانات لا تعيش في النوبة أو دنقلة ، فالفيل والزراف يسكنان ضفاف النيل عند سنار والغابات الواقعة على حدود الحبشة وضفاف عطبرة « 1 » والنيل الأزرق « 2 » التي تجلب منها اليوم أيضا لمصر أجمل الجواري وأغلاهن ثمنا ، فهذه الغنائم كلها تشير إلى أن المعارك لا بد قد دارت في البلاد الواقعة جنوبي إقليم مروى القديم المتحضر ، لأن الأسرى اللابسين جلود الوحوش دليل على أن العدو أمة متوحشة . أما مناظر المعارك التي تراها على معابد طيبة - سواء في الأقصر أو الكرنك - فيبدو أنها تشير إلى ميادين حربية أقرب من تلك . أفلا يجوز أن تكون القلاع المرسومة على هذا المعبد ذات صلة بجزائر بطن الحجر التي كان بها حصون ترى من مخلفاتها الأطلال الكثيرة من الآجر ؟ ومظهر رؤوس الهاربين ( التي اختلطت على البعض فحسبوا شعورها المحلوقة طواقى ) ، ولحاهم القصيرة الرقيقة المرسلة تحت ذقونهم . . كل هذه سمات يتميز بها أهل نوبا الذين لم تبلغ سمرتهم درجة السواد ، إنما هي سمرة نحاسية قاتمة يؤثر الرسام الذي لم يحذق مزج ألوانه أن يعبر عنها بالحمرة الداكنة لا بالسواد . وليس من العسير أن يتصور المرء أن سكان المناطق الجدباء في النوبة وبطن الحجر كانوا يتطلعون إلى خيرات مصر وثرائها بعين الحسد ، فكانوا يغيرون الفينة بعد الفينة من حصونهم على أقاليم مصر المجاورة حالبين عليهم بذلك سخط ملوك طيبه ونقمتهم . والمعبد الصغير الذي أوردت وصفه يسميه الأهالي بيت الوالي ، ويتعذر على المسافر في النيل أن يراه إلا إذا استفسر عنه . وفي التل المجاور له المحاجر التي اقتطعت منها الأحجار لبناء المدينة ومعبدى كلابشه . ولا ريب في أن هذه المدينة هي نلميس
--> ( 1 ) Astaboras ( 2 ) Astabus