جان لوئيس بوركهارت

85

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

سنقطعها أو بذكر الأماكن التي يجب أن نحط فيها للمبيت . وكنت إذا سألته عن ذلك أجابني بقوله « اللّه يسهل علينا ! » فإذا ألححت عليه طالبا منه جوابا صريحا قال « اللّه أكبر ! إن اللّه قادر على أن يطيل المسافات أو يقصرها » . فهو يظن أن من التطاول على قدرته تعالى أن يتحدث عن المستقبل في شئ من الجزم واليقين ، وأن هذا قد يكون مجلبة للشؤم على الرحلة ، وهو اعتقاد كثيرين من العرب ، لذلك قل منهم من يتحدث إليك في ما ينبغي عمله دون أن يضيف إلى حديثه عبارة « إن شاء اللّه » . ولكن دليلي الشيخ لا يرضى بالتورط ولو إلى هذا الحد ، وكان دأبه التهرب من الحديث عما نحن مقبلون عليه . قلت له وهو يسألني الملاية الموعودة قبيل افتراقنا « اللّه يسهل لك » ، وهي عبارة تقال عادة للسائل إذا أريد صرفه في رفق . قال « لا ، إني أسألك أنت هذه المرة أن تسهل لي » . فنفحته بالملاية وبشئ من النقود ، وأنا واثق أن أبا سعد لن ينسانى قط . وقدمت غدارتى هدية لحسن كاشف وأنا استأذنه في الرحيل ، لأننى وجدتنى على الجملة راضيا عن مسلكه معي . ولكنه كان معكر المزاج ، فأخبرني أنهما لا تليقان برجل من آل كاشف ، وأنه يريد غدارتين طويلتين مما يحمله المماليك في سروجهم . فوعدته بزوج منها ، وافترقنا على هذا الوعد . وقد كتبت إلى القاهرة منذ قليل في طلب الغدارتين ، وسيدهش كاشف حين يتلقاهما ، فليس من المألوف في بلاد الشرق أن يذكر الناس فضلا لامرىء أصبحوا في غنى عن خدماته « * » . ويستطيع السائحون في النوبة أن يسافروا مطمئنين حتى وادى حلفا على الأقل ما دامت مصر تتمتع بحكومة مستقرة يحترمها حكام النوبة . ولو أن في مصر حكومة لا يخشاها أبناء كاشف لما استطاع المسافر أن يتجاوز الدر ، ولجردوه هناك من ماله وردوه على عقبيه . ومهما يكن من أمر ، فلا غنى للمسافر عن التزود قبل سفره بالهدايا لا سيما إذا اتفق وجود الإخوة الثلاثة في الدر ،

--> ( * ) وفي أكثر بلاد الدنيا ، بل ربما كان من أهل الشرق من هو أكثر وفاء من غيره ( غربال ) .