جان لوئيس بوركهارت
82
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
المعبد كان مكرسا لأوزيريس . وتكسو النقوش الهيرغليفية جدار الصخرة الذي سوى من خلف التماثيل ، وعليه صف من أشخاص جلوس يزيدون على العشرين تحتوا كالباقين من الصخرة ولكن معالمهم طمست فلم أستطع وأنا في موضعي تحتهم أن أفهم الحكمة في وجودهم . وارتفاع الواحد منهم زهاء ست أقدام . وفي وسعى أن أحكم - استنادا إلى ملامح التمثال الذي ظل رأسه ظاهرا فوق الرمال - بأن هذه التماثيل صنعت في أرقى عصور النحت المصري ، ولكن النقوش الهيرغليفية التي على سطح الصخرة خشنة الصناعة ، ولعلها ترجع إلى العهد الذي حفرت فيه نقوش معبد الدر . وعلى بضع خطوات إلى الجنوب من التماثيل الضخمة الأربعة فجوة منقورة في الصخر يرقى إليها الزائر بدرجات صاعدة من شاطىء النهر ، وتملأ جدرانها النقوش الهيرغليفية ورسوم إيزيس وأوزيريس الصقرى الرأس . وأهل بلانة وجيرانهم من العرب يعتصمون بمعبد أبو سمبل من الغارات التي تشنها قبيلة من بدو المغرب على هذه النواحي بانتظام كل عام ، وهؤلاء ينتمون إلى القبائل المقيمة بين الواحة الكبرى وأسيوط . وحين يبدءون غاراتهم يقصدون أولا أرقو ، ومنها يخرجون في رحلتهم ينهبون ويسلبون القرى الواقعة على ضفة النيل الغربية . ثم يمضون إلى المحس وسكوت وبطن الحجر ووادى حلفا والقرى المواجهة للدر ، وأخيرا إلى الدكة ، ومن ثم يرتقون الجبل ويعبرون الصحراء ميمين صوب أسيوط . وتتألف الجماعة منهم عادة من نحو مائة وخمسين فارسا ، ومثلهم على ظهور الإبل . وليس في النوبة من يجرؤ على الوقوف في وجههم ، لا بل إن الحكام يزورونهم ويقدمون إليهم الهدايا حين يصلون تجاه الدر . وغارات هذه القبيلة من الأسباب الهامة التي جعلت الناس يهجرون معظم الضفة الغربية للنيل ، وأهالي بلانه يعتصمون بمعبد أبو سمبل هم وماشيتهم كلما زحف صوبها هؤلاء المغاربة ، وقد حاول المغاربة في العام الماضي أن يقتحموا هذا الحصن عنوة ، ولكنهم ارتدوا عنه خائبين بعد أن مات منهم كثيرون . وسرنا من أبو سمبل على شاطىء رملى قاحل متجهين شرق الشمال الشرقي . ومضت ثلاث ساعات ونصف على بداية رحلتنا في الصباح ، فمررنا بأطلال كنائس إغريقية صغيرة .