أحمد ايبش

73

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى

وللجامع ثلاث صوامع « 1 » : واحدة في الجانب الغربي ، وهي كالبرج المشيّد ، تحتوى على مساكن متسعة وزوايا فسيحة يسكنها أقوام من الغرباء أهل الخير ، وبها كان معتكف أبي حامد الغزالي ، [ وثانية بالجانب الشرقي ] ، وثالثة بالجانب الشمالي . وللجامع مال عظيم من خراجات ومستغلّات تنيف على الثمانية آلاف دينار في السنة . وكان هذا الجامع ظاهرا وباطنا منزلا كلّه بالفصوص المذهبة ، مزخرفا بأبدع زخارف البناء ، فأدركه الحريق مرتين « 2 » فتهدّم وجدّد وذهب أكثر رخامه واستحال رونقه . ومحرابه من أعجب المحاريب الإسلامية حسنا وغرابة صنعة ، يتّقد ذهبا كلّه ، قد قامت في وسطه محاريب صغار ، وفي الرّكن الشّرقي من المقصورة الحديثة في صفّ المحراب خزانة كبيرة ، فيها مصحف عثمان الذي وجّه به إلى الشّام ، وتفتح الخزانة كل جمعة إثر الصلاة فيتبرّك الناس بلمسه وتقبيله ، ويكثر الزحام عليه . وهناك مشهد كبير حفيل كان فيه رأس الحسين بن علي ، رضي اللّه عنهما ، ثم نقل إلى القاهرة . وعن يمين الخارج من باب جيرون غرفة لها هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفّر ، وقد فتحت أبوابا صغارا على عدد ساعات النهار ودبّرت تدبيرا هندسيا ، فعند انقضاء ساعة من النّهار سقطت صنجتان من صفّر من فمي بازيين مصوّرين من صفّر قائمين على طاس صفّر تحت كل واحد منهما ، أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب ، والثاني تحت آخرها ، والطاستان مثقوبتان .

--> ( 1 ) المراد بهذه الصوامع مآذن الأموي الثلاث : الغربية والشرقيّة والشمالية ( العروس ) ، علما أن الغربية كما يذكرها المؤلف أعيد بناؤها فيما بعد ، عام 893 ه بأمر السّلطان قايتباي . سنفصّل في ذكرها بالجزء الثالث عند الحديث عن لوحة سفير البندقيّة . ( 2 ) كانت الأولى عام 461 ه في قتال بين المصريين والمغاربة بأيام الفاطميين ، راجع نصّ ابن فضل اللّه العمري أدناه . أما الثانية فلعلها حريق 562 ه أو 570 ه أو 646 ه أو 681 ه . لكن أشهر حريق كان عام 740 ه ، بمحاولة دنيئة قام بها بعض الفرنجة ، راجع خبرها في الجزء الثالث من كتابنا هذا . غير أن المفترض أن الحميري لم يدرك هذه الحادثة !