أحمد ايبش
74
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
ويستدير بالجامع أربع سقايات في كل جانب سقاية ، واحدة منها كالدّار الكبيرة محدقة بالبيوت والماء يجري في كل بيت ، وإحدى هذه السّقايات في دهليز باب جيرون وهي أكبرها ، فيها من البيوت نيّف على ثلاثين ، والبلد كله سقايات قل ما تخلو سكّة من سككه أو سوق من أسواقه من سقاية . قالوا : ورأس يحيى بن زكريا ، عليهما السلام ، مدفون بالجامع في البلاط القبلي قبالة الرّكن الأيمن من المقصورة الصحابية ، وعليه تابوت خشب معترض من الأسطوانة إلى الأسطوانة ، وفوقه قنديل كأنه من بلّور مجوّف ، كالقدح الكبير . وفي الجهة الشمالية من البلد وعلى مقدار فرسخ منه « 1 » ، غار مستطيل ضيّق قد بني عليه مسجد كبير مرتفع مقسم على مساجد كثيرة كالغرف المطلّة ، وعليه صومعة عالية ، ومن ذلك الغار رأى إبراهيم الخليل صلّى اللّه عليه وسلّم الكوكب ثم القمر ثم الشمس ، حسبما ذلك مذكور في الكتاب العزيز ، ذكر ذلك ابن عساكر . وهناك مغارة صلّى فيها إبراهيم وموسى وعيسى ولوط وأيوب صلوات اللّه وسلامه عليهم . ولكل مشهد من تلك المشاهد أوقاف معينة . وهناك الرّبوة المباركة التي أوى إليها المسيح عليه السلام وأمّه ، وهناك بيت يقال إنه مصلّى الخضر ، وهذه الرّبوة رأس بساتين البلد ، ومنها ينقسم الماء على سبعة أنهار ، ولهذه الرّبوة أوقاف من بساتين وأرض بيضاء . وبغربي البلد جبّانة تعرف بقبور الشهداء ، فيها كثير من قبور الصّحابة والتابعين والأئمة الصالحين ، فمنها قبر أبي الدّرداء وزوجته أم الدّرداء رضي اللّه عنهما ، وفضالة بن عبيد ، وسهل ابن الحنظلية ، ومعاوية بن أبي سفيان وأخته أم المؤمنين أم حبيبة ، وواثلة بن الأسقع ، وبلال بن رباح مؤذّن رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأويس القرني ، وخلفاء بني أميّة رضي اللّه عنهم .
--> ( 1 ) يعني بذلك مقام إبراهيم الخليل بقرية برزة شمال شرق دمشق . راجع كتابي : « وصف دمشق في القرن السابع عشر » ، ص 62 .