أحمد ايبش

53

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى

والقسم الثاني : تحت الأرض منها مدينة أخرى من متصرّفات المياه والقنيّ وجداول ومسارب ومخازن وقنوات تحت الأرض كلّها ، حتى لو حفر الإنسان أين ما حفر من أرضها وجد مجاري الماء تحته مشتبكة طبقات يمنة ويسرة ، شيئا فوق شيء . والقسم الثالث : مسوّرها وما فيه وحوله من المعمور . وكأنّما هي في وصفها طائر أبيض في مرج أخضر يترشّف ما يصل إليه من الماء أوّلا فأوّلا . ومن خصائص دمشق أيضا أن الحيّات لا تلدغ داخل سورها أبدا ، وهنّ قليلات الوجود فيها وفي غوطتها ونواحي أرضها . وعدد بساتينها ماية ألف وأحد وعشرون ألف بستان تسقى بماء واحد يأتي إليها من أرض الزّبداني . ومن وادي بردا عين تنحدر من أوّل الوادي ومن عين الفيجة ، وينبعث نهرا واحدا يسمّى بردا ، ثم يتفرّق سبع فرقات ، كل فرقة نهر يسمّى باسم . منهم : نهر يزيد : فتحه يزيد بن معاوية فسمّي به . ونهر ثورة : فتحه ملك من ملوك الرّوم اسمه ثورة فسمّي باسمه . ونهر بانياس : فتحه بلنياس الحكيم اليوناني فسمّي باسمه . ونهر القنوات ، وكلاهما « 1 » يجريان إلى داخل المدينة ويتفرّقان في المصارف والبرك والقنيّ والحمّامات والطهارات . ونهر مزّة : منسوب إلى قرية تسمّى المزّة ، وكان اسمها المنزّه لما بها من صحّة الهواء وصفاء الماء وحسن القصور وطيبة الثّمار وكثرة الزّهور والورد واستخراج الماء منه ، حتى أن حراقته تلقى على الطرقات وفي دروبها وأزقّتها كالمزابل فلا يكون لرائحته نظير ، ويكون ألذّ من المسك إلى مدّة انقضاء الورد « 2 » . ثم نهر داريّا سادس النّهور ، وهو أرفعها مجرى وأبعدها مقسما . وداريّا قرية عظيمة المغل والأرض ، وبها قبر أبي مسلم الخولاني وقبر أبي سليمان الدّاراني .

--> ( 1 ) يريد بذلك نهري بانياس والقنوات اللذين يجريان بداخل دمشق القديمة ضمن السّور . ( 2 ) يذكر المؤلف هنا صفة تقطير ماء الورد بدمشق ، لكنني أؤخّر ذلك إلى ختام النص .