أحمد ايبش

52

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى

دمشق والقسم الأول من الثّمانية وبه دار الإمارة الكبرى في عصرنا دمشق ، وتسمّى جلّق الخضراء والغوطة وذات العماد ، وهي مدينة عادّية أزليّة سهليّة جبليّة من أنزه بلاد الأرض وأطيبها وأحسنها وأبهجها . وبها الجامع المتفرّق الحسن والجمال والكمال ومن أعاجيب الدّنيا ، توقد فيه في ليلة النّصف من شعبان اثنا عشر ألف قنديل بخمسين قنطارا دمشقية زيت الزّيتون ، غير ما يوقد بالمدارس والمساجد والتّرب والخوانق والرّبط والمارستانات . وترخيم حيطانه من أعجب شيء يراه الإنسان ، والرّخام في سائر حيطانه ، وفوق الرّخام تفصيص بشبك الزّجاج المصبوغ والمذهّب والمفضّض وعروق اللؤلؤ ما هو ملء الجامع من داخل حيطانه . وسائره منقوش بتلك الأصباغ على صور الأشجار والمدن والحصون والبحار وكل ما أمكن تصويره من غير المحرّم منه . ويقال إن عمر بن عبد العزيز لمّا ولي الخلافة قال : لو علمت أن هذا الفسيفساء يردّ ما أنفق عليه قلعته . والمنفوق على زخرفته في أيام سليمان بن عبد الملك بن مروان أربعون صندوقا من الذّهب الأحمر ، غير الرّخام والبناء القديم . وسعة الجامع طولا من المشرق إلى المغرب مائتان واثنان وثمانون ذراعا ، وعرضه مائتان وعشرة أذرع . وعلى سطحه الرّصاص ألواح مفروشة بدلا من الطين ، كلّ لوح نحو من نصف قنطار دمشقي إلى ما دونه . ومن خصائصه أنه لا يوجد فيه عنكبوت أصلا ، لا في سقوفه ولا في حيطانه ، ولا يفرّخ فيه عصفور مع كثرته فيه ولا يعشّش فيه ، ولا يوجد فيه وزغة . وشهرته تغني عن وصفه . ودمشق مقسومة ثلاث قسمات : قسم مبثوث العمارة في غوطتها ، لو جمع لكان مدينة عظيمة ما بين جواسق وقصور وقاعات وإسطبلات وطواحين وحمّامات وأسواق ومدارس وترب وجوامع ومساجد ومشاهد ، غير القرى والضّياع الأمّهات ، وهذا الذي ذكرناه لا يوجد بغيرها أصلا .