أحمد ايبش
31
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
رحلة السّلطان الأخيرة إلى دمشق ووفاته بها [ المحرّم سنة 676 ه ] وفي الخامس من المحرّم دخل السّلطان دمشق ، وقد ترنّح للنّصر أعطافه وروّى من دماء الأعداء أسيافه ، وقدّامه مقدّمو التّتار قد ركبوا دهم القيود عوض شهب الجياد ، وبعد أن كانوا مقرّبين صاروا مقرّنين في الأصفاد . ونزل بقصره بالميدان الأخضر ، معتقدا أن الدّنيا في يده قد حصلت ، والبلاد التي حلّها ركابه عنها ما انفصلت ، وأن سعده استخلص له الأيام وأصفاها ، والممالك شرقا وغربا لو لم يكن بها غيره لكفاها . وإذا بالمنيّة قد أنشبت أظفارها ، والأمنية قد وضعت حربها أوزارها ، والعافية قد شمّرت الذّيل ، والصحّة قد قالت لطبيبه : « أهلك واللّيل » ، ورماح الحط وقد قالت لأقلام الخط : « أصبت في لبس الحداد من المداد » ، والقلوب وقد قالت عند شقّ الجيوب : « نحن أحقّ منك بهذا المراد » ، والحصون وقد قالت لقصره الأبلق : « ما كان بناؤك على هذه الصّورة إلا فألا بما تسودّ الجدران « 1 » به عن الفجائع من السّواد » « 2 » . وكان ابتداء مرضه ، الذي اعتلّ به الوجود وتباشرت به الأكفان واللّحود ، ليلة السّبت خامس عشر محرّم ، فإنه ركب وقت العصر من يوم الجمعة رابع عشره ، وكأنه يودّع لأخدانه ورؤية موكبه وركوب حصانه . ونزل والتاث جسمه تلك الليلة بعض الالتياث . . . وقبض اللّه روحه الزّكيّة ، ورجعت إلى ربّها راضية مرضيّة ، وذلك بعد الزّوال من يوم الخميس سابع عشرين محرّم .
--> ( 1 ) في هذا كناية عن بناء القصر الأبلق بحجارة سود وحجارة صفر ، مدماكا من هذه وآخر من تلك ، وهذا القصر بناه الظاهر في عام 665 ه ، وكان موضع تكيّة السّلطان سليمان القانوني المعروفة اليوم ، شرقي الميدان الأخضر الذي تكرر ذكره هنا حيث يجري لعب الكرة والرّمي على القبق . وسيرد أدناه في نصّي الحميري وابن فضل اللّه العمري أقدم وصف لهذا القصر الباذخ ، الذي هدمه مع الأسف الطاغية تيمورلنك عام 803 ه . ( 2 ) يطيل المؤلف كثيرا هنا في سرده المتكلّف المسجوع ، ممّا يضطرّنا إلى بعض اختصار .