أحمد ايبش

134

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى

وكذلك قول ابن عنين وقد نفي منها ( من الكامل ) : فسقى دمشق ووادييها والحمى * متواصل الإرعاد منفصم العرى حتى ترى وجه الأرض بعارض * أحوى ووجه الدّوح أزهر نيّرا وأعاد أياما قطعت حميدة * ما بين حرّة عالقين وعكبرا [ 2 / 434 ] تلك المنازل لا أعقّة عالج * ورمال كاظمة ولا وادي القرى أرض إذا مرّت بها ريح الصّبا * حملت عن الأغصان مسكا أذفرا فارقتها لا عن رضى وهجرتها * لا عن قلى ورحلت لا متخيّرا وقول البحتري ( من البسيط ) : العيش في ظلّ داريّا إذا بردا * والرّاح نمزجها بالرّاح من بردا إذا أردت ملأت العين من بلد * مستحسن وزمان يشبه البلدا أما دمشق فقد أبدت محاسنها * وقد وفي لك مطريها بما وعدا يمسي السّحاب على أجبالها فرقا * ويصبح النّبت في صحرائها بددا فلست تبصر إلا واديا خضرا * أو يانعا خضلا أو طائرا غردا كأنّما القيظ ولّى بعد جيئته * أو الرّبيع أتى من بعدما بعدا ومدامتها هي الموصوفة في الآفاق ، المعروفة في مغارسها بكرم الأعراق ، تنشر كاساتها ألوية حمرا ، تتوقّد في صفحات الخدود جمرا ، فمن حمراء كنار تتلهّب ، ومن صفراء كالزّجاج المذهّب ، ومن بيضاء كأنها نقطة غدير ، أو فضّة طافت بها قوارير ، أو وردية تتضاحك في الشّفاه اللّعس ثغورها المفتّرة ، ويخالطها الصّفار كخدّ أبيض تشرّب بحمرة ، تضيء في دجى الليل مصباحا ، وتهدي إلى الجلساء بريحها تفاحا . وببلاد « الشّوف » منها ما يرقّ عن الزّجاج ، ويخفّ عن مخالطة الامتزاج ، فيعلق فوق الماء على الأقداح ، وتتعلّى حمرته عليه كالشّفق على المصباح ، يطير عليها الشّعاع ، ويطيب إلى قهقهة قيانها السّماع .