أحمد ايبش
131
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
فلما نظر ذو القرنين إلى تلك الغيضة ؛ وكان هذا الماء الذي هو في هذه الأنهار اليوم مفترق ؛ مجتمعا في واد واحد ؛ فأخذ ذو القرنين يفكّر كيف يبني فيه مدينة ، وكان أكثر فكره فيه وتعجبه منه ، أنه نظر إلى جبل يدور بذلك الموضع وبالغيضة كلها . وكان له غلام يقال له دمشقش على جميع ملكه . ولما نزل ذو القرنين من عقبة دمّر ، سار حتى نزل في موضع القرية المعروفة بيلدا من دمشق على ثلاثة أميال ، فأمر ذو القرنين أن يحفر له في ذلك الموضع حفيرة ففعلوا ذلك ، ثم أمر بردّ التراب الذي أخرج منها . فلما ردّ التراب لم تمتلئ الحفيرة ، فقال لغلامه دمشقش : إرحل فإني كنت نويت أن أؤسّس في هذا الموضع مدينة ، فأمّا إذ بان لي منه هذا فما يصلح أن يكون هاهنا مدينة . قال : ولم ؟ قال ذو القرنين : إن بني هاهنا مدينة فإنها لا يكون زرعها يكفي أهلها ! قال : ثم رحل ذو القرنين حتى وصل إلى البثنيّة وحوران [ و ] أشرف على تلك السّعة ، ونظر إلى تلك التّربة الحمراء ، فأمر أن يناول من ذلك التّراب ؛ فلما صار في يده أعجبه لأنه نظر إلى تربة كأنها الزّعفران . فنزل هناك وأمر أن تحفر حفرة [ ص 160 ب ] فحفرت ، وأمر بردّ التراب إلى المكان الذي أخرج منه فملأه وفضل منه تراب كثير ؛ فقال ذو القرنين لغلامه دمشقش : إرجع إلى ذلك الموضع الذي فيه الأرز ، فاقطع ذلك الشجر ، وابن علي حافّة الوادي [ ط 2 / 432 ] مدينة وسمّها على اسمك ، فهناك يصلح أن تكون مدينة ، وهذا الموضع منه قوتها وعليه ميرتها . قال الحافظ : وعلامة صحّة ذلك أن أهل غوطة دمشق لا تكفيهم غلّاتهم حتى يتكفّوا من البثنيّة وحوران . فرجع دمشقش وبنى المدينة ، وعمل لها حصنا ، وهي المدينة الدّاخلة . وعمل لها أربعة أبواب : جيرون ، مع باب البريد ، مع باب الحديد في سوق الأساكفة ، مع باب الفراديس الداخلة . هذه كانت المدينة ؛ إذا أغلقت هذه الأبواب فقد أغلقت المدينة ، وخارج هذه الأبواب كان مرعى .