محمد كرد علي
345
خطط الشام
الآداب ، وحاولت تعليمهم الإنشاء والخطابة بالعمل أكثر من النظر . ولم ترق بعض الطلبة العلامات التي نالوها في الفحص العام ، وكان بعض أساتيذهم يشوقونهم من طرف خفيّ على رفع أصواتهم بالشكوى من المدرس ليضموا درسه إلى دروسهم ، ورأى رئيس الجامعة الطبيب الكحال السيد رضا سعيد الايتوني استثمار هذه الحركة لمصلحته ، ومصلحته أبدا في إقصاء الأكفياء أرباب الإرادات المستقلة من تداريس الجامعة ، فقام مدفوعا أيضا بيد رئيس الحكومة إذ ذاك السيد صبحي بركات . وكان هذا مغيظا محنقا من صاحب الترجمة لأن جريدة المقتبس لم تمالثه على خطته ، وصعب عليّ أن أترضاه ، ولو بأن أذكر له على الأقل أن لا علاقة لي بالمقتبس منذ مدة طويلة ، وأنني لا أديره ولا أحرره ولا ينطق بلساني . وكانت المؤامرة فاستكتب رئيس الجامعة بعض الصحف للنيل مني ، وأعطاها فيما قيل دراهم لتكتب له المطاعن عليّ بما يفيد في تنحيتي . ومن الرسائل ما كتبه له بعض مستخدميه ممن كان يغضي عن سرقاتهم في مدرسة الطب مقابل هذا التطوع في خدمة أغراضه ، ومنهم طلبة مقصرون في دروسهم كافأهم على ما نشروه له من الطعن بي بأن منحهم شهادة الطب ، ومعذرته أنه في حاجة إلى من يحسن من جماعته كتابة سطرين بالعربية ، لأنه هو ورئيس الحكومة ابن بركات لا يحسنان كتابة سطر واحد ، وإذا قرأ أو قرئ عليهما كلام عربي لا يفهمانه بحال . وهكذا جمع رئيس الجامعة بعض الطلبة المقصرين في دروسهم في دار أحد من يدهنون له من أطباء مدرسته ، ولقنوهم كيف يجرأون على الشكوى من الدرس ويكتبون محضرا بهذا الطلب ، ومن لم يوقعه من الطلبة يهدد بما يخاف منه على مستقبله . وأخيرا تقرر إرسال بضعة من طلبة مدرسة الطب إلى درس الخطابة في دار الحقوق لينادوا بإسقاط خمسة من الأساتذة من جملتهم مدرس الآداب العربية ، وخطب بحضوري أحد الطلبة ، وهو ابن أحد أخصاء رئيس الحكومة خطبة لقنها ، وكوفئ عليها بعد هو ووالده ، فخرجت من المدرسة على أن لا أعود إليها ، وتم لبعض الأساتيذ ما أرادوه ، فاستأثروا بأكثر الدروس الشاغرة ، ولم يعد من المخطوب فيهم إلا واحد وهو مدير المعهد السيد عبد القادر العظم الذي