محمد كرد علي
344
خطط الشام
تسخيرها في خدمة أحزابهم ، فاضطررت إلى إغلاقها في صيف سنة ( 1928 ) بعد أن خدمت البلاد عشرين سنة . كان مذهب المقتبس السياسي معاونة الحكومة بالمعقول ، وانتقادها عند الاقتضاء . وتحبيذها إذا أتت ما تحبذ عليه . ينزع أبدا إلى إنارة الأفكار ، وبث الملكات الصحيحة وتقوية روح القومية العربية ، وسياسته وطنية ليس فيها شيء من روح الكراهة للأجانب ، ويرمي إلى فتح صدر الأمة لمعظم ما في المدنية الغربية من أسباب الرقي . ولا يتحزب المقتبس لحزب إلا إذا تجلى له غناؤه وبلاؤه في خدمة الأمة . فقد دخلت في جمعية الاتحاد والترقي قبل الانقلاب العثماني بنحو اثنتي عشرة سنة ، وخدمت ما استطعت وساعدت البيئة ، ولم أجدد في الانقلاب للاتحاديين عهدا مع كثرة إلحاحهم عليّ . إذ رأيت ذلك حطة وتناقضا في الخطة ، لأن مرامي الاتحاديين تجلت بأنها تقصد إلى تتريك العناصر ، ومن أول مقاصدنا الدعوة إلى القومية العربية ، وإنهاض العرب من كبوتهم . ولما عبث الاتحاديون بالمقصد الذي رسموه لأنفسهم يوم نشأتهم الجديدة ، تألفنا في الشام والآستانة كتلة من العرب والترك ، وألفنا حزب الحرية والائتلاف اشتغلنا به مدة ، ثم رأينا من المصلحة حله فحللناه . واقترح عليّ زمن الحكومة العربية غير مرة الدخول في الأحزاب فأبيت . ولكن لما تفاقم الشر ، وأصبحت دمشق عاصمة في الصورة ، والمدبرون لها أغمارا غرباء في الأكثر ، صحت عزيمتنا مع جماعة من أهل الطبقة العالية مسلمين ومسيحيين وألفنا « الحزب الوطني » معدلا لأمزجة الأحزاب الأخرى . فكان حاجزا دون انبعاث ما يكدر من العوام . وفي شباط ( 1924 ) عهد إليّ تدريس الآداب العربية في معهد الحقوق بدمشق ، فرأيت تفاوتا في عربية الطلبة ، وكان منهم المقتدر الذي يصلح للكتابة والخطابة ، ومنهم الضعاف في مبادئ النحو والصرف ، لأن مدرستي الحقوق والطب كانتا تحاولان تكثير سواد الطلبة وتقبل منهم حتى المقصرين في الفروع المهمة ، ولا سيما اللغة العربية التي يعدونها ثانوية ! فاضطررت إلى إلقاء بعض دروس نحوية مختصرة على التلاميذ ريثما يستعدون لتلقي