محمد كرد علي
335
خطط الشام
وأهم ما أولعت بمطالعته - بعد درس المطبوع من كتب الأدب العربي وجانب من المخطوط الذي عثرت عليه - كتب الفلاسفة وعلماء الاجتماع ، وأصول الشعوب ومدنياتهم . وطالعت بالإفرنسية أهم ما كتبه فولتير وروسو ومونتسكيو وبنتام وسبنسر وفوليه وتين ورنان وسيمون وبوتمي ولافيس وهانوتو وبوترو ولوبون وبرونتيروبثي دي جولفيل ولمتر وسانت بوف ، وتدارست المجلات الفلسفية الاجتماعية والتاريخية والأدبية باللغة الفرنجية . وجريت منذ نشأت على قاعدة مطردة لم أتخلف عنها قيد شبر ، وهي أن أقرأ أكثر مما أكتب ، وقلما دوّنت موضوعا لم أدرسه في الجملة ولم تتشربه نفسي . وعهد إليّ سنة ( 1315 ه ) . بتحرير جريدة « الشام » الأسبوعية فحررتها ثلاث سنين كانت مدرستي الأولى في الصحافة . وساعدتني فيها معرفة التركية والإفرنسية . ثم دعيت إلى . المؤازرة في مجلة المقتطف المصرية أكبر مجلاتنا العربية . فنشرت فيها أبحاثا جمة في التاريخ والاجتماع والأدب مدة خمس سنين فبدأت لي شهرة في عالم الأدب العربي لمنزلة هذه المجلة إذ ذاك بين أبناء اللغة العربية ، وكثرة من تقع تحت أنظارهم من العلماء والأدباء والباحثين . وفي عام ( 1901 م ) هبطت مصر للسياحة بقصد الذهاب إلى باريز للدرس ، فعرض عليّ صاحب جريدة « الرائد المصري » نصف الأسبوعية أن أحرر في جريدته ، فلبيت الطلب متكارها ، إذ كانت عاقتني عن العودة إلى الشام أمور قام بها المشاغبون المتجسسة في دمشق . واتهموني تشفيا بأمور هي من المحرمات في عرف الحكومة العثمانية ، ثم رجعت إلى الشام بعد عشرة أشهر . ومن أعظم ما استفدته من رحلتي هذه الأخذ عن عالم الإسلام والإصلاح الشيخ محمد عبده وحضور مجالسه الخاصة والعامة . وفي شتاء سنة ( 1323 ) فتشت الحكومة العثمانية داري في دمشق بحجة أنه علقت مناشير في شوارع البلدة مكتوبة بلغة سلسة ، وفيها مطاعن في أحد الأعيان والوالي ، ومثل هذه العبارة وهذه الأفكار لا يحسنها ولا يعرفها غيري ! فظهر للحكومة افتراء المفترين واكتفت بأن شردتني أياما عن داري . وفي هذه الوقعة نظم صديقي العلامة الأمير شكيب أرسلان قصيدة ارتجالية يداعبني بها ، ويصف ما حل بي مجسما قال سامحه اللّه :