محمد كرد علي
334
خطط الشام
وبرعت بالترجمة من الإفرنسية إلى العربية وبالعكس . ولما أحرزت شهادة المدرسة الرشدية من درجة متوسطة ، لأني لم أتمكن على ما يجب من الرياضيات لإصابتي بالحسر وضعف البصر - بحيث لم أكد أتبين عن بعد ما يرسم الأستاذ من أشكالها وخطوطها في اللوحة ، ففاتني التبحر فيها مع الأسف - عينت مدة ست سنين موظفا في قلم الأمور الأجنبية ، فأخذت في خلالها أتقن آداب التركية . وشرعت أنشئ فيها كما أنشئ بالإفرنسية ، وقد اختلفت حولين كاملين إلى مدرسة اللعازاريين للاضطلاع بآداب اللغة الإفرنسية ، ودرست الطبيعيات ودروس الكيمياء بهذه اللغة لأزيد تمكنا منها . وقد اقتطعت مع ذلك جانبا من الوقت لدرس الآداب العربية والعلوم الإسلامية ، وتلقيت اللغة الفارسية حتى حذقتها ثم أنسيتها . وفي خلال تلك المدة اتصلت بالأساتذة الشيخ طاهر الجزائري والسيد محمد المبارك والشيخ سليم البخاري وأخذت عنهم وعن غيرهم من مشايخ الطبقة الثانية كل ما وسعتني قراءته ، من كتب اللغة والأدب والبيان والاجتماع والتاريخ والفقه والتفسير والفلسفة . وكان العامل الأكبر في توجيه إرادتي نحو الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي ، والإقدام على التأليف والنشر ، وإشرابي محبة الأجداد والتناغي بآثارهم ، والحرص على تراث حضارتهم ، أستاذي الأكبر الشيخ طاهر الجزائري ، فما زلت ألزمه منذ اتصلت به إلى أن ذهب إلى ربه سنة ( 1338 ه ) حميد الأثر . وكنت بدأت بنظم الشعر فنهاني عن تعاطيه أستاذي المبارك ، وأرادني على إتقان الإنشاء فقط ، وما ينبغي له من الأدوات ، لئلا يشغلني الشعر بلذته عن طلب العلم . فصدعت بأمره ، كما كنت قبلت نصيحة والدي ، وأنا يافع ، بترك الإنشاد بصوت رخيم . لأن ذلك كان يعدّ في نظره شيئا وضيعا كما روى ذلك عن شيخه . وهكذا حرمني والدي الموسيقى ، وحرمني شيخي الشعر . ولولا نصيحتهما لعنيت بهذين الفنين ، وكانا لي سلوى وأي سلوى . ولكن أستاذي المبارك خرجني باللغة والإنشاء . ووالدي ، وكان عاميا يقرب من الأمية ، أنفق عن سعة ليعلمني . فكان مدة سنين يدر الرواتب على أساتذتي ، وقد ابتاع لي خزانة كتب كانت تعد في ذلك العهد شيئا في بلدتي .