محمد كرد علي
331
خطط الشام
غيرهم من الراقين ، وإذا جئت تحللهم جماعات فهناك التفسخ في القوى والانحلال في الروابط . الشاميون إذا اجتمعوا تخالفوا عادة على الرياسة والتصدر ، وتباينوا في الفكر والاجتهاد ، لأن الذكاء غالب عليهم ، وحب الذات مستحكم في شغاف قلوبهم ، وكل واحد يريد أن ينفذ قوله ولو كان مغلطا ، وإذا لم يوافقه رفقاؤه على ما ارتأى عاداهم وربما آذاهم ، كأن الاختلاف في الاجتهاد يستلزم العداوة والسخيمة . فلا تستغرب بعد هذا إن أصيبت أكثر أعمال الجماعات عندهم بالشلل والفشل ومنها ما يموت كالجنين في بطن أمه قبل أن يتمثل بشرا سويا . وقد ينشئ غير المسلمين الجمعيات والمجامع ويحالفهم النجاح أكثر من غيرهم لأنهم على تربية متقاربة وعلى تكافل ودؤوب في الحملة . وما ندري لعل العامل في هذا النجح الضرورة التي دعا إليها تماسك الصغير أمام قوة الكبير ، على حين ترى أن هذا الكبير لا يحسن على الأغلب إلا الإدلال بقوته الموهومة والإعجاب بماضيه يقف عند حده ، ولا يعرف أن يبرهن على العظمة الغابرة بسداد أعماله الحاضرة . ومن عيوب السواد الأعظم أن الهزل يغلب عليهم ، والجد قليل فيهم ، يحبون المداعبة والهزل واللهو ، ويسوء بعض اللئام أن يروا في قربهم من يجد . يهزأون بمن يعملون وهم لا يعملون ولا يعرفون كيف يعملون ، فسبيلهم سبيل العاطل والمعطل . ومن عيوبهم أنهم لا يصدقون صاحبهم لأن سوء الظن غالب عليهم ، هذا ولو جاءهم مستنصحا مسترشدا ، لأنهم أميل إلى المصانعة لا إلى الصدع بالحق ، وأقرب إلى أن يرضوا جليسهم ويسكتوا أمامه عن هفواته ، وربما التمسوا له في حضرته المعاذير حتى إذا غاب عن عيونهم نحتوا أثلته وعابوه بما قد لا تلزمه تبعته . ومن أجل هذا تأصلت في القوم عادات وأخلاق كان يتأتى نزعها لو كتب لها من ينقدها وينكرها غير مدالس ولا موالس . فالنعومة الظاهرة التي تشاهد في بعض الشاميين يحتاجون معها إلى شيء من الخشونة والقسوة . كانوا في الأيام الماضية إذا أرادوا الحط من شخص سلبوه صفاته واتهموه « بالمروق من الدين » وربما أوصلوه بهذه التهمة الشنعاء إلى ضرب عنقه ، وهذا من بعض الأسباب في قلة النوابغ في القرون المتأخرة . واليوم