محمد كرد علي
332
خطط الشام
نشأ لهم زي جديد من أزياء التهمات يلبسونها من لا ترضيهم حاله ، أضافوا إلى من يحاولون النيل منهم تهمة « المروق من الوطنية » كأن الوطنية ما هم فيه من الختل والتخاذل وطلب الظهور بقاصمة الظهور . ويا لشقاء الدين والوطن كم اتجر بهما متجرون في الغابر والحاضر . ومن تدبر أحوال هذه الطائفة بأدنى نظر أدرك أن كل من يتبجحون بهذه الدعاوي هم أول من يدوس كل مقدس لبلوغ غرض حقير . والدواء الناجع في مداواة هذه الأخلاق هو أن يكون للصغار مدارس وطنية متقنة تلقنهم العلم الصحيح والأخلاق الصحيحة والقومية الصحيحة . أما الكبار الذين اشتهروا بسوء القالة فيقاطعون ويتجهم لهم العقلاء في كل أفق ، لا يدنونهم من مجالسهم مهما بلغ من سلطانهم وجاههم ومالهم . فإن من السخف التلطف مع الأشرار في المحضر ، والتهامس في قبيح سيرتهم في المغيب . يجب أن يناقشوا الحساب ولا يؤمن لهم على خطاب و « المؤذي طبعا يقتل شرعا » . سيقول فريق ممن يقرأون هذه الصفحات : إنها أغرقت في وصف أخلاق الطبقات وفضحت ما كان مكنونا لا يعرفه إلا أرباب البصيرة ، ونحن في زمن أحوج ما نكون إلى السكوت عن المعايب حتى لا يبدو عوارنا لغيرنا ، كأن غيرنا لا يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا . وكان الأولى في عرفهم أن نجامل ونجمجم ، بيد أن السكوت عن العيوب عيب كبير ، وكتمان العلة مدرجة إلى الهلكة ، والتاريخ لا يكتب على الهوى ولا يملى لإرضاء الناس . وما نخال منصفا بصيرا إلا ويعترف وهو مثلنا جدّ آسف أن ما أصاب هذه الديار من المصائب منذ عهد طويل لم يكن إلا بسوء أخلاق من تولوا من أبنائها أمرها ، وأنه من المستحيل بعد أن صرح الحق عن محضه أن تؤلف الشام كيانا يذكر وتقوم في ساحة الحضارة البشرية بعمل يشكر ، ولو أوتيت علم الجرمانيين واللاتينيين ، ورزقت غنى الإنكليز السكسونيين ، ما دامت أخلاق أهل الحل والعقد فيها لا تعالج بالتقويم ، ولا يحاول القضاء على مواطن الضعف من نفوسهم وعقولهم . الساكت عن الحق شيطان أخرس . فصّلته لكن على عقلي فما * مقياس عقلك كان لي معروفا