محمد كرد علي

319

خطط الشام

حصة ضئيلة في المجتمع الإسلامي ولا يؤاخذ الإسلام بانحطاط أهله وما المؤاخذ إلا من أخذوا على أنفسهم عهدا بأن يطبقوا مفاصله فأهملوا واجبهم ، ولو كان الدين عاملا من عوامل سقوط أمة ما كانت اليابان وهي تدين بالبوذية في مقدمة أمم الأرض علما وعمرانا . ولا مشاحة في أن من طبقة الدينيين فئة صالحة ، ولكنها كانت في كل عصر تلقي الحبل على الغارب لغلبة اليأس عليها ، وهناك فئة أشد تأثيرا وظهورا وهي التي طالما قدمت وأخرت وباعت من هذه الأمة المسكينة ما شاءت وشاءت منافعها ودارت في كل دور مع مطامعها كيف دارت . إلا أن الدهر عاقب هذه الطبقة بما احتقبته من الكبائر ، فضربها ضربة آذنت بانقراضها لأنها لم تجار الزمن في نشوئه ، كأن تكون مثال الفضائل تربأ بأنفسها عن الغيبة والنميمة وتتشرب أفئدتها حب الصدق والصدع بالحق وتتحامى مزالق التغرير والتضليل وتحضر وكدها في واجبها من إرشاد العامة من طريق العلم الصحيح ، في زمن اشتد فيه النزاع بين القديم والحديث ، أو بين الدين والإلحاد ، وتجلى الانتقال في كل مظاهر الحياة . وما زالت هذه الفئة تحاول أن تسترد بالثرثرة والتبجح مجدا زائلا ، وهي في حالة المحتضر لا تبدئ ولا تعيد . وما تحدثت أن تخرج من جهالتها ، وتتطور بطور العصر ، وتأخذ بحظ من العلم الديني والمدني ، وتتحلى بشيء كثير من مكارم الأخلاق . كان أحد أفراد هذه الطبقة أبلى في الدعوة الدينية بلاء حسنا ، ورزق قلما ماضيا ، وعزما مؤاتيا ، واستعد للنزول والنزال في ميدان دعوته ، يحمل أكثر أدواتها . وما عتم أن ترك ما هيأته الفطرة له وأكسبته إياه التجربة وطول المدة وحاول بلوغ مظهر جديد اعتقد أنه جماع المظاهر ، وهو لم يتمرس بآدابه ، ولا عرف مداخله ومخارجه ، وغلبه حب الشهرة فادعى ما لم يخلق له ولا تخلّق به ونسي الغرض الذي يضطلع به ، وراح يستغل موضع الضعف من فطرته ولا يعتمل فيما يرجى فيه كماله ، ترك سيرته الأولى وهام بمظهره الثاني ، زهد فيما يحسن وحاول التلبس فيما لا يحسن . وغريب من إنسان لم يقنع بمنزلة طيبة وضعته فيها بيئته وتربيته ، ويجاهد جهادا آخر في ساحة الوغى ولا سلاح معه يستخدمه ، ولا آلة من أدوات الحرب يتقنها . الذكاء