محمد كرد علي
320
خطط الشام
وحده ينفع إلى حد معين ، وأدوات النجح في طريقه تحتاج إلى علم وفطرة . والعلم بالتعلم والتريض ، والفطرة هبة لا تباع ولا تشرى . أنت يا هذا إذا حفظت قواعد علم من العلوم ، يتعذر عليك أن تدعي الكيمياء والطبيعة أو السياسة والاجتماع ، علوم مختلفة طويلة الذيل لا ينفع معها التخليط . القواعد المجملة التي تحفظ من كتاب في موضوع تحتاج في إتقانها إلى صرف طائفة طويلة من عمرك فلا تعطيك القريحة قياد كل أمر ولا تيسر في سبيلك كل دعوى . ولذلك ترى من هذا شأنه صاعدا متدليا ، ينفي اليوم ما أثبت أمس ويحارب حينا من سالمه زمنا ، يصانع أرباب القوة طورا ثم يقلب لهم ظهر المجن تارة ، إذا لم يستمرئ ما أطعموه ولم يستقبل من أمره ما استدبر في وضع الخطط التي خطها لهم ، والناس كلهم في نظره صغار عقول وأرباب فضول وهو لا يرى غير نفسه استجمعت ضروب المحامد ، ولذلك لا يضن عليها بما يمجدها ، ويضع الألقاب الضخمة لها وينوه أبدا بما انطوى عليه من شرف وعلم وعمل ، ومن رضي عنه من الناس ينيله من عطفه ما لو وزن أيضا في ميزان القسط لشالت كفته . والعاقل من أنصف نفسه قبل أن ينتصف الناس منه ، ومن ظلم نفسه كان حريا بأن يظلم غيره ، ولهذا أمثال غير قليلة فيمن يلقبونهم ب « البارزين » والخواص أي النابهين . نموذج آخر . بينا تجد الأول يجرع دعوته كما يجرع الصاب والعلقم ويستعلي ويستطيل ويحاول أن يثبت أنه مصدر كل خير ، لو استمع الناس له لتمت سعادتهم الدنيوية والأخروية ، ترى أخاه قد اتخذ في الحياة غير طريقته وخالفه في سيره وسيرته ، فقد لقن في صباه مجملات يحكم فيها بالجزئيات على الكليات حكما مسمطا ويتلطف ويتطرف ليجد السبيل إلى قلوب العامة والسوقة لأنهم كثير سوادهم يستميلهم بالدعابة والفكاهة ، وماذا يهمه من الخاصة وهم قليل عديدهم ، وما يناله من غضبهم ورضاهم ما دام الجمهور عنه راضيا . وأحسن ما يراه للوصول إلى قلوب العامة أن يرضي كل صاحب سلطان ، لأن في رضى القويّ تنطوي المظاهر والدنيا وهو عبدها وغايته من الحياة السجود على أبواب سدنتها ، لا يبالي أن يصعق