محمد كرد علي

294

خطط الشام

ما يرون . ومما أثبت هذه الأصول بين أشراف لبنان أن الأرستوقراطية فيهم كانت ثابتة لا تتحول عنهم لفقر أو غيره . ويغلب على الظن أنهم جمعوا في عاداتهم بين العادات العربية ، وشيء من العادات الغربية اكتسبوها في مخالطتهم الصليبيين . وفي الحق أن لبنان القديم وليد أمرائه من المعنيين والتنوخيين والشهابيين واللمعيين والأرسلانيين وآل علم الدين . وقد أقر هذه العادات المشايخ الجنبلاطية والعمادية والنكدية والتلاحقة والملكية وبنو العيد ، وفي المسيحيين آل الخازن والدحداح والضاهر وحبيش وغيرهم . وأخذت تحتفظ كل طبقة بأصولها وعاداتها ، لا يباح لأهل طبقة أن يتزوجوا من أهل طبقة أخرى ، ولا أن يختلطوا بهم الاختلاط اللازم . وكان الجلال والوقار يغلبان على أهل كل طبقة . ويعدون من أسباب السقوط أن يسفّ ابن أسرة من أسر الأمراء أو المقدمين أو المشايخ فيصهر إلى غير أهل طبقته ، ولذلك غلب ضعف الأجسام على بعض هذه الطبقات ، وتأصلت فيها بالوراثة الأمراض العضالة لخروجهم عن الطبيعة في الزواج . وكانت لهم عادات نشّأهم عليها حكامهم في السلام والجلوس والخطاب . وهم يغالون في الحرص على كرامتهم ، ويعد أكبر أعيانهم من الشرف أن يكتب إليه الحاكم ويلقبه بالأخ العزيز ويوقع له بالمحب المخلص . ويكتب الأمير إلى الطبقة الثانية من الشعب وهي طبقة المشايخ « عزيزنا » أو « أعز المحبين » أو « حضرة عزيزنا » أو « جناب » بدل « حضرة » . وإذا كان طبق الورق صغيرا أو كبيرا ، أو كان توقيع الحاكم في أسفل الكتابة أو في أعلاه فإن لكل ذلك معاني عندهم . والغالب أن القوم كانوا لقلة أشغالهم يتسلون بمثل هذه التافهات ، ويضعون لها قواعد من عند أنفسهم ، ويتنافسون في رضا الحاكم والوصول إلى مجلسه وتقبيل يده وثوبه ، تأصل هذا الداء فيهم إلى العصر الأخير ، فكان من كتب له هذا الشرف تناقل خبره أهل بيته خلفا عن سلف وعدوه في مفاخرهم . وقد كثر فيهم حب الظهور حتى إن المرء ليبيع بستانه وداره ويبذل ماله لينال عملا صغيرا في الحكومة أو ليكتسي الحرير هو وعياله ويتعاظم على أهل قريته . ومنهم من ابتعدوا