محمد كرد علي
295
خطط الشام
عن مواطن الشرف ليتزلفوا إلى من اعتقدوا أن في أيديهم إسعادهم . وكم من بيوت خربت بسبب هذا التمجد بالباطل والتقرب من أصحاب السلطان بفساد الأخلاق . وكانوا إلى عهد قريب يقدمون الرجال على النساء في إعطاء القهوة أو الخمر ، يرفعون مقام الرجل فوق مقام المرأة ، ولا يزال أثر ذلك ظاهرا في الطوائف الإسلامية . فلما اقتبسوا المدنية الحديثة أصبح الرجل عند المسيحيين لا شيء تقريبا في بيته ، والحكم لامرأته تصرفه على هواها ، خصوصا إذا كانت أكثر تعلما منه ، أو كانت أسرتها أغنى من أسرته وجاءته ببائنة أو جهاز . وهذه الأخلاق ماثلة في بيروت وفي بعض الأقاليم المكتظة بالسكان . ويحترم الأولاد آباءهم كما كان ذلك في سائر أرجاء القطر ، على صورة فيها التشدد الزائد ، حتى إن الولد لا يكاد يجالس أباه ولا يقعد أمامه ، ولا يؤاكله ولا يدخن أمامه ولا يرفع صوته ، ولو تزوج وأولد ، ولا سيما في البيوت التي احتفظت بتقاليدها . وكانت العادة أن لا يتفرق أهل البيت الواحد مهما كثر أفراده ، يسكنون في دار واحدة ، وإذا كانت الأسرة فقيرة ففي غرفة واحدة . وكثيرا ما يخصون الولد الأكبر في الإرث بشيء من العقار أو الأرض أو المال ، يؤثرونه به على إخوته ، لاحتياجه إلى الظهور وحفظ كرامة البيت وقبول الضيفان ، والغالب أنهم يحرمون الابنة أرث أبيها ، لئلا تنتقل الثروة إلى أسرة أخرى ، شأن كثيرين من المنحطين ، بل شأن من يعدون أنفسهم في الراقين أيضا . كان اللبناني يتزوج في الثامنة عشرة أو العشرين من عمره ولا سيما في الطوائف الإسلامية ، والمسيحيون قد يتأخرون إلى الثلاثين وبعضهم إلى الأربعين ، وقد يخطف العروس عروسه في بعض الطبقات ، إذا كانت من طبقة غير طبقته ، وتظاهر أهلها بأنهم يأبون زواجه ، أو لعداء بين أهل الخاطب والمخطوبة ، أو لعدم الكفاءة في النسب أو المال ، وكانوا يحبون كثرة النسل بخلاف ما نراهم اليوم بعد الهجرة ، فإنهم أصبحوا على مثال الأمم التي تريد تقليل الذرية في البيت ما أمكن حتى لا يدخله الفقر . وكانوا يعدون كثرة العيال من اليسر والبركة ، ويقلقون لمن يتأخر حملها من نسائهم ، ويشرعون