محمد كرد علي

293

خطط الشام

مدارسه هنا وبالاختلاط بأهله وراء البحار بلا قيد ولا شرط ، على حين كان غيرهم ولا يزالون يأخذونها ببعض الحذر والحيطة . ولبنان منذ عهد متطاول كانت علائقه بالغرب أكثر من غيره من أهل هذه الديار . والروح اللاتيني ترفرف عليه . يحمله إلى ربوعه الرهبان الموارنة من رومية وغيرهم من دعاة النصرانية والاستعمار . ولو مكنت طبيعة الجبل من إنشاء مدن كبرى فيه ، لظهرت هذه الفروق على جليتها في أهله ، كما تتجلى مثلا في أهل المدن الداخلية . لم يبرح الدروز يعدون في المحافظين على عاداتهم القديمة وأخلاقهم العربية من إباء ووفاء وحسن عشرة وكرم وحسن وفادة ، يعظمون رؤساءهم ولو كانوا في سن صغيرة جدا . والدروز ، ما خلا الطبقة المتمدنة منهم التي تلبس السراويل والمعاطف والسترات والأقمصة الإفرنجية على الأساليب الغربية ، ما زال جمهورهم يلبس لباسا واحدا في جميع البلاد التي ينزلونها : عمائم بيضاء وقفاطين من الأقمشة الغليظة القطنية وأعبئة قصيرة مخططة وأحذية بلدية ساذجة . كأن لباسهم لم يتبدل منذ حلوا هذه الأرض ، ونساؤهم محجبات قليلا يسبلن على رؤوسهن شاشا أبيض فإذا رأين غريبا أظهرن إحدى عينيهن فقط أي إن حجابهن الحجاب الشرعي . كان أهل لبنان قبل حادثة سنة ( 1860 ) يقسمون إلى خاصة وعامة ، فالخاصة هم الأمراء والمقدمون والمشايخ . والمشايخ على ثلاث طبقات ، مشايخ الإقطاع ، والمشايخ الذين يدلون إلى مشايخ الإقطاع بنسب ، وكانوا يعرفون بمشايخ الطبق ، ثم مشايخ الطبقة الثالثة . وتختلف مصطلحات هذه الطبقات باختلاف العصور ، وكلامنا هذا يتناول الأخيرة منها التي ثبتت إلى ظهور الجبل بمظهر الاستقلال الداخلي بعد حادثة الستين . ولهم عادات راسخة في خطابهم وكتابهم ومجالسهم وأفراحهم وأتراحهم ، أمست عندهم بمثابة القواعد العامة ، وتختلف عن مجموع ما هو من نوعها في سائر الأقطار ، والسرّ في ذلك أن لبنان مدين بظهوره بمظهر المنعزل المستقل منذ عهد المماليك والعثمانيين لأمراء كانوا يتولون جباية الجبل على سبيل الإقطاع مقابل مال يؤدونه ، وهم ينصرفون إلى توظيف طبقات الناس ، وتصنيف أهلها على