محمد كرد علي
93
خطط الشام
وقال ابن القيم أيضا عند كلامه على الحيل الجديدة في مسائل الوقف : ومن الحيل الباطلة تحيلهم على إيجار الوقف مائة سنة مثلا ، وقد شرط الواقف أن لا يؤجر أكثر من سنتين أو ثلاثا ، فيؤجر المدة الطويلة في عقود متفرقة في مجلس واحد ، وهذه الحيلة باطلة قطعا ، فإنه إنما قصد بذلك دفع المفاسد المترتبة على طول الإجارة فإنها مفاسد كثيرة جدا ، وكم قد ملك من الوقوف بهذه الطرق ، وخرج عن الوقفية بطول المدة ، واستيلاء المستأجر فيها على الوقف هو وذريته وورثته سنين بعد سنين ، وكم فات البطون اللواحق من منفعة الوقف بالإيجار الطويل ، وكم أوجر الوقف بدون إجارة مثله لطول المدة وقبض الأجرة ، وكم زادت أجرة الأرض أو العقار أضعاف ما كانت ، ولم يتمكن الموقوف عليه من استيفائها . إلى أن قال : اللهم إلا أن يكون فيه مصلحة الوقف بأن يخرب ويتعطل نفعه فتدعو الحاجة إلى إيجاره مدة طويلة يعمر فيها بتلك الأجرة ، فهنا يتعين مخالفة شرط الواقف تصحيحا لوقفه ، واستمرارا لصدقته ، وقد يكون هذا خيرا من بيعه والاستبدال به ، وقد يكون البيع والاستبدال خيرا من الإجارة اه . وبهذا النقل رأيت أن الوقف يصح بيعه واستبداله إذا كان هناك مصلحة ، وأن تلاعب المتلاعبين أدى إلى تبدل الأوقاف وجعلها حرة تباع وتشرى منذ المئة الثامنة أو من قرن قبله ، ولولا ذلك لأصبحت الشام إلا جزءا قليلا منها أوقافا بمرور الأيام ، ووقفت بالوقف حركة العمران وقوفا هو الجمود بعينه ، وفي الجمود الموت والفناء . ولكن المولى تعالى أرفق من أن يسلب منافع الأرض مخلوقاته ، ويجعلها خاصة بفئة معينة لا تنقطع عنهم مادتها ، ولولا ذلك لكان ابن الغني غنيا على الدهر ، وابن الفقير كذلك ، ولبطل هذا النظام الطبيعي الذي لا تقوى القوانين على تغييره . قالوا : إن الأمير جكم العرضي ( 810 ) الذي تسلطن بحلب والشام أخرب غالب الديار الشامية ، وأخرج أوقاف الناس في الشام وفرقها إقطاعات بمثالات على جماعته . وأخرج الملك شيخ الأوقاف بدمشق وجعلها إقطاعات وفرقها بمثالات على عسكره . وفي أيام الناصر فرج خرجت غالب أوقاف الناس في البلاد الشامية والحلبية . فاستدللنا بذلك أن الأوقاف لم تلزم حالة