محمد كرد علي
94
خطط الشام
واحدة ، والرأي في تعطيلها لصاحب القوة أيا كان . كان أكثر العمال وأصحاب الأموال في عصور المصادرات يقفون الأوقاف على الجوامع والمدارس والرّبط والمستشفيات وغيرها فرارا بأموالهم من مصادرات الملوك إذا غضبوا عليهم ونحّوهم عن وظائفهم ، أو قضوا نحبهم فطمعوا في وفرهم ، وهذا كان الشأن مع الأقوياء والأمراء وأرباب الإقطاعات . ومن الأوقاف ما منحه الملوك بعض عمالهم وحاشيتهم ليستمتعوا بها ما داموا أحياء على سبيل الإقطاع ، فما عتّم المنعم عليهم أن جعلوا ذاك العقار أو تلك القرية بواسطة القضاة وأهل الحكم أوقافا شرعية يتناولها أعقابهم من بعدهم فتتوزع عليهم بعد أن يكونوا ألفوا الاتكال ، وانقطعت أيديهم عن الأعمال ، إلا من بسطها لتناول ريع أوقافهم الحقيرة . وإذا كان بعض الواقفين توقعوا من أوقافهم أن تقي أبناءهم وأحفادهم عوادي الفاقة ، فإن اعتماد أنسالهم على ما خلفه لهم آباؤهم قد يرميهم فيما كانوا يحاذرونه من الفقر ، وذلك لتوزع الوقف بتعدد الأنصبة ، ولأن المستحقين لمغلّ الوقف يعتمدون على ريع أوقافهم التي تأتيهم بلا عمل غالبا ، وينسون أن الثروة هي العمل ، وأن من لا يعمل لا يثري ولا يتنعم ، سنة اللّه في خلقه . التفنن في الأحباس والتلاعب بالموقوف : ولقد تفنن القوم في أنواع الأوقاف حتى لا يكاد يخطر ببالك خاطر في الوقف إلا وتجد من سبقك إليه مما أوشكت أن تكون معه معظم ديار الإسلام موقوفة ، وكاد يصبح نصف أرض المملكة تقريبا من نوع الوقف ، وكانت ثلاثة أرباع الأملاك في المملكة العثمانية وقفا على الجوامع والمساجد . والأحباس والأوقاف عامة وخاصة ، فالعامة هي ما جعل عينها وريعها بدون قيد ولا شرط وقفا على أعمال الخير والبر أو على المصالح العامة . أما الخاصة فهي التي جعل واقفوها حق الاستمتاع بريعها إلى وارثيهم مباشرة ، ولا تؤول إلى الأوقاف العامة إلا بانقراض نسل الواقف . قلنا : ومن العادة أن يشرط الواقفون في أواخر صكوكهم شروطا منها أن الوقف إذا انحل بفقد الذرية وانقراض المستحقين يعود بجملته إلى الحرمين الشريفين ، ومن الناس