محمد كرد علي
18
خطط الشام
صلاح الدين سائلا إذا قذف به على الصقالات التي توضع لرمي المنجنيقات تشعلها لحينها ، فكان الصليبيون منها في مصيبة . وأهم سلاح عندهم للمهاجمة السيف والرمح وللدفاع الدرع . ومما كانوا يتقون به مداهمة العدو أن يضعوا مما يلي البلدان من حد الشرق رجالا لتحرق زرعها ونباتها ، وهي أراض مخصبة كانت تقوم بكفاية خيل القوم مرعى ، فكانت تحرق إضعافا لهم ، وإقعادا لحركاتهم ، إذ كانوا من عادتهم أنهم لا يتكلفون علوفة لخيلهم بل يكلونها إلى ما تنبت الأرض ، فإذا كانت أرضا مخصبة سلكوها ، وإذا كانت مجدبة تجنبوها ، وكانوا لا يفطنون لتقصد حريقها ثم فطنوا ، فصاروا يربطون عليها الطرق ويمسكون منها بالأطراف ، وكان ينفق في هذه المحرقات في كل سنة من الخزانة بدمشق جمل من الأموال ، ويجهز فيها أجلاد الرجال . وكان شأنهم في الإحراق استصحاب الثعالب الوحشية والكلاب المنفرة ، ثم يكمن المجهزون لذلك عند أمناء النصاح في كهوف الجبال وبطون الأودية ، وتمضي الأيام حتى يكون يوم ريحه عاصف ، وهواؤه زعزع ، وتعلق النار موثوقة في أذناب الثعالب والكلاب ، ثم تطلق الثعالب والكلاب في أثرها ، وقد جوّعت فتجدّ الثعالب في الهرب ، والكلاب في الطلب ، فتحرق ما مرت به وتعلو الريح النار منه فيما جاوره . هذا إلى ما كانت تلقيه الرجال بأيديها في الليالي المظلمة ، وعشايا الأيام المعتمة . روى ذلك جميعه ابن فضل اللّه . واستعمل الملوك والأمراء النشاب للتسلية وإظهار الشجاعة ومعرفة أساليب الرماية ، فإذا رموا أصموا ، وإذا أفضلوا بالغوا ، وقد استعمل الأمين لقتال عساكر أخيه المأمون نصول النشاب من خالص الذهب ونقش عليها هذين البيتين : ومن جودنا نرمي العداة بأسهم * من الذهب الإبريز صيغت نصولها يداوي بها المجروح منها جراحه * ويشري بها الأكفان منها قتيلها واستعمل ذلك كثير من الملوك ومنهم السلطان أحمد بن الملك الناصر ابن محمد بن قلاوون ، وكان يجلس كل يوم بين شراريف قلعة الكرك وهو محصور ويرمي سبعة سهام صيغت نصولها من فضة موشاة بذهب وقد نقش عليها هذان البيتان .