محمد كرد علي
19
خطط الشام
كان اعتماد الملوك في نقل الأخبار على ثلاثة أمور : البريد وأول من وضعه في الإسلام معاوية بن أبي سفيان حين استقرت له الخلافة ، فوضع البريد لتسرع إليه الأخبار من جميع أطراف مملكته ، أمر بإحضار رجال من دهاقين الفرس وأهل أعمال الروم وعرفهم ما يريد فوضعوا له البرد واتخذوا له بغالا بأكف كان عليها سفر البريد . وقيل : إن أول من وضع البريد عمر بن الخطاب وإن معاوية أصلحه في سلطانه . ولم يزل البريد قائما حتى آن لبناء الدولة المروانية أن ينقض ، ولما أن أغزى المهدي ابنه هارون الرشيد الروم ، وأحب ألا يزال على علم قريب من خبره رتب ما بينه وبين معسكر ابنه بردا ، كانت تأتيه بأخباره ، وتريه متجددات أيامه ، فلما قفل الرشيد قطع المهدي تلك البرد ، ثم رتب على عهد الرشيد على ما كان عليه أيام بني أمية ، وجعل البغال في المراكز ، وكان لا يجهز عليه إلا الخليفة أو صاحب الخبر ، ثم جاءت أدوار فلم يكن بين الملوك وما يريدون معرفته من الأخبار إلا الرسل على الخيل والإبل . فلما أتت الدولة الزنكية أقامت لهذا النّجابة ، وأعدت لها النجب المنتخبة ، ودام هذا إلى سقوط دولة بني أيوب . ولما تولى الملك الظاهر بيبرس كان أحرص ما يحرص عليه مواصلته بالأخبار ، وما يتجدد من أخبار التتر والفرنج . وقال مرة لكاتب الإنشاء شرف الدين عبد الوهاب : إن قدرت ألّا تبيتني كل ليلة إلا على خبر ، ولا تصبحني إلا على خبر فافعل ، واتخذ لذلك هو ومن بعده مراكز البريد ، تشترى الخيل بمال السلطان ويقام لها السواس والعلوفات . ثم مما يليها خيل البريد المقررة على عربان ذوي إقطاعات عليها خيول موظفة تحضر في هلال كل شهر إلى كل مركز أصحاب النوبة فيه بالخيل ، فإذا انسلخ الشهر جاء غيرهم ، وهم لهذا يسمون خيل الشهارة ، وعلى الشهارة وال من قبل السلطان ، يستعرض في رأس كل شهر خيل أصحاب النوبة فيه ، ويدوغها بالداغ السلطاني . وقد جعلوا لها مراكز ومحطات وبنوا عليها خانات وفنادق ومساجد في كل طرف من أطراف المملكة . هذا ما كان من أمر البريد وأنشأوا في الموصل حمام الزاجل ، فاقتبسه