محمد كرد علي
142
خطط الشام
أي الفرس ، ولذلك لم تتم هذه القناة إلا بعد مائة سنة أنشأها الملك داريوس الأول الفارسي . على أن القناة القديمة كانت أوسع من هذه القناة الحالية . وقد ظهرت آثار القناة القديمة المندرسة في سنة ( 1798 ) وتظهر الآثار الآن في أماكن عديدة . وقد استعمل قسم منها لمجرى القناة الجديدة المستعملة لإسالة الماء العذب ، وقد عرفنا من الجدران المائلة والمرتفعة ومن الأحجار المنحوتة أن عرض القناة القديمة كان خمسة وأربعين مترا في عمق خمسة أمتار . وذكر المؤرخ هيرودوتس أن طولها أربعة أيام وقد كانت معدة إذ ذاك لسير السفن . وتكريما لإنجاز عمل القناة أقام داريوس عدة مسلات تذكرة ومفخرة . وجاء بعد ذلك البطالسة وجهدوا لتجديد عمل هذه القناة وأخذوا يقاومون الطبيعة في العصر الرابع والثالث والثاني والأول ق م . وكانوا يرمون إلى المحافظة على طريق نهر النيل إلى البحر الأحمر من البحيرة المرة وجعله أبدا صالحا لمرور الزوارق . كلفهم ذلك جهودا عظيمة وقاموا بأعمال صناعية دقيقة ، كالسدود والأحواض وأعمال أخرى كان القصد منها دفع المياه المالحة عن النيل وعن الأراضي المصرية ، ثم أهمل شأنها في القرن الأول ق م . وبعد فإن تاريخ هذا العمل العظيم أي قناة السويس القديمة ينتهي في عهد الرومانيين . وقد كان آخر من قام بحفر هذه القناة القديمة التي امتلأت بالرمال الإمبراطور تراجان الروماني بين سنة ( 98 و 117 ) بعد الميلاد وقد فتح على عهده نهر تراجان الذي كان يبتدئ بالقرب من القاهرة ويمتد إلى خليج السويس في البحر الأحمر ، وهذا النهر هو القناة المبحوث عنها آنفا . طمتها الرمال وارتفع مستوى الأرض فضاع أعظم أثر من آثار القدماء يعد من بدائع القرون الغابرة . ولما افتتحت العرب مصر كانت قناة النيل والبحر الأحمر عبارة عن ذكرى قديمة العهد جدا . ومع هذا يرجع الفضل والشرف في إحياء هذه الذكرى القديمة منذ اثني عشر قرنا للعرب الفاتحين وهم آخر من أحيا هذه الذكرى قبل أهل المدنية الحاضرة . وأعظم من هذا أنهم هم أول من فكر بالطريقة الحديثة لإيجاد قناة بين البحرين المتوسط والأحمر . ذلك لأن مملكة العرب كانت متسعة الأرجاء وتحتاج للمواصلات في كل وجه خلافا لمملكة