محمد كرد علي

143

خطط الشام

الفراعنة فإنهم لم يفكروا إلا بما يفيد مصر وحدها . فالحاجة عند العرب كانت ماسة لربط الصلات بين جزيرتهم وما افتتحوا من الممالك الأخرى . وقد قام بهذه المهمة عمرو بن العاص أحسن قيام وتبعه في ذلك الخليفة العباسي هارون الرشيد . ولعدم وسائطهم الفنية الحديثة لم يتمكنوا من فتح ترعة عظيمة كالترعة الحالية وإن فكروا بها مليا ، ولما أشكل عليهم الأمر لم يحجموا عن جعل النيل واسطة الاتصال بين ممالكهم . وكان القصد من استعمال النيل هذه المرة الوصل بين البحر المتوسط والبحر الأحمر . وعلى هذا قاموا بإصلاح قناة الأقدمين التي تبتدئ من الزقازيق على النيل . وكانوا يأتون في سفنهم من الشمال ويدخلون في بحيرة المنزلة ثم في النيل ومن هناك يتبعون القناة التي أصلحوها إلى أن يدخلوا البحر الأحمر ومنه يتجهون نحو جزيرة العرب . وكانوا بهذه الصورة ينقلون من مصر ما يحتاجونه من الحنطة إلى جزيرتهم . ويحدثنا التاريخ أن عمرو بن العاص نقل في هذه الترعة الحنطة من الفسطاط إلى القلزم ( السويس ) ومن هناك إلى جزيرة العرب عن طريق البحر الأحمر . وقد بقيت القناة صالحة للسير مدة من الزمن حتى جاء الخليفة المنصور العباسي وقام بطم هذا الطريق المفيد مخافة أن تنقل الذخائر إلى القائم بالحجاز إذ ذاك من أرض مصر . وعلى هذه الصورة انقطع حبل الوصل للمرة الأخيرة بين البحرين مدة ألف سنة ونيف . على أن فكرة اتصال البحرين ما زالت باقية منذ ذلك العهد وهي الفكرة التي لم يسبق أحد إليها . وكانت من الأعمال التي لا مندوحة للمدنية من تطبيقها . وجاء البنادقة قبل العرب بفتح ترعة لتضرر تجارتهم من افتتاح طريق رأس الرجاء الصالح ولكنهم لم يفلحوا . وفي سنة ( 1641 ) عرض لايبنيس العالم الرياضي الشهير على ملك فرنسا لويس الرابع عشر بأن يؤلف جيشا لافتتاح مصر ، وكان من جملة ما طلبه فتح هذه الترعة للوصول منها إلى الهند ، ولكن لم يتم شيء من هذا كما وقع ذلك للسلطان مصطفى الثالث العثماني الذي فكر أيضا بفتحها ، وكان الأمر كذلك مع علي بك زعيم المماليك الذي لم يكتب له النجاح أيضا . وقد ارتأى فتحها أيضا كولبر الشهير وكثير من وزراء لويس الخامس عشر ولويس السادس عشر .