محمد كرد علي
113
خطط الشام
والأهلية بالمناعة والصيانة ، فكل من النوعين منيع مصون بنظر الشريعة . واللاجئ إلى الشريعة لاجئ طبعا إلى المكلف بحمايتها ورعاية أحكامها ، فكان حقا على إمام المسلمين والنائبين عنه من الوجهة الوقفية ، صيانة الأوقاف الأهلية كحرصهم على صيانة الأوقاف الخيرية . فهذه القواعد منشأ سيطرة دوائر الأوقاف الحكومية على الأوقاف الأهلية المحضة ، ولا سيما أن الوقف الأهلي الصرف يحتمل أن ينقلب خيريا محضا في أقرب وقت ، بانقراض الموقوف عليهم ، لأن مآل الأهلي إلى الخيري بالعاجل أو الآجل ، لتقييد الوقف بالتأبيد إلى جهة لا تنقطع . وكل ما يعود إلى هذه الجهة فهو من الأوقاف الخيرية ، فحق على دوائر الأوقاف أن تكون في كل آن واقفة بالمرصاد أمام تصرف نظار الأوقاف الأهلية . على أن أغلب من تذرعوا بالوقف الأهلي لصيانة الثروة ، ولا سيما الوزراء وعمال المقاطعات ، كانوا يتبرعون بالأوقاف الخيرية ليوطدوا الأولى بالثانية ، ويعهدوا بالولاية على الجميع إلى الأرشد من ذريتهم . فرعاية لشروط الواقفين لا تنتزع دواوين الأوقاف الولاية من المتولين على الأوقاف الخيرية المتحدة بالولاية على الأهلية ، ما دام المتولي يؤدي دفتر المحاسبة نقيا من الشوائب . وإذا كان الأمر لا يسوغ لديوان الأوقاف أن يضبط الوقف بل يذره ملحقا ، لكن يحق له أن يجبر المتولي أن يؤدي حسابا عن الوقفين الخيري والأهلي لتداخلهما ، وإن لم ترفع إليه شكوى من أرباب الاستحقاق . الأوقاف في العهد العثماني الأخير : لهذا العهد ثلاثة أدوار : الأول دور السلطان عبد الحميد الثاني . الدور الثاني دور أخيه محمد رشاد الخامس . الثالث دور أخيهما وحيد الدين محمد السادس خاتمة ملوك بني عثمان . ولم تكن دوائر الأوقاف في الشام على العهد الحميدي أقل من بقية الدوائر الحكومية خللا وفوضى واختلاسا وقلة نظام ، بل كانت أكثر اختلالا من غيرها لأن لها وجهة دينية ذات اتصال بمشايخ الدين الحشويين أو الدجالين ، وهم أبعد الناس عن النظام والانتظام ، فكانت