محمد كرد علي

114

خطط الشام

الشؤون الدينية في عهد عبد الحميد مسرح الفوضى لتهاونه بالدين ، واكتفائه على الجملة بالتمويه بشعائره الصورية ورسومه الرسمية ، وكان أعوانه يبيعون على مسمع ومرأى منه الوظائف الدينية كالقضاء الشرعي والفتيا والتدريس العام والوعظ والإرشاد . ومن جملة ما يبيعون وظيفة مدير الأوقاف التي كانت تكد وتجد وتبذل الجهد في جباية أموال الأوقاف ، لتبعث بها بعد السلب والنهب والمقاسمة إلى العاصمة ، فيفيض السلطان من هذه الأموال على الدجالين من مشايخ الطرق وعلماء الرسوم والرتب والأوسمة باسم ( إحسانات أو صدقات سلطانية ، أو فدية عن عافية ذاته الملوكية ) ويكزّ يديه بالصرف على علماء الدين العاملين فساءت لذلك حال أئمة المساجد وخطباء المنابر والسدنة والمؤذنين والواعظين لفرط التقتير عليهم ، حتى انحصرت هذه الأعمال في البائسين والكسالى والزمنى . تنقسم الأوقاف إلى خيرية وأهلية . وتنقسم الخيرية إلى مضبوطة وملحقة ، تناط الأولى بدائرة الأوقاف مباشرة . وتركت الثانية لنظارها مع احتفاظ ديوان الأوقاف بالنظارة العامة عليها ، وللديوان حق السيطرة على الأوقاف الأهلية ولا سيما إذا كانت مختلطة بالخيرية . وهي تنقسم إلى جلية وخفية . فالأولى من متعلقات الأوقاف الخيرية المضبوطة ، وهي نفقات أرباب الشعائر الدينية والاختلاس منها تافه جدا بالنسبة إلى نفقات تنوير المساجد والمعاهد وابتياع ما يلزم من الأثاث ، وهو أيضا حقير بالنسبة إلى ترميمها وترميم الأعيان الموقوفة عليها . وأما الإنشاء المحدث أو المجدد فلم يكن معهودا في ذاك العهد لأن ديوان الأوقاف يجبي الأموال من الشام ليبعث بها إلى العاصمة . وبالجملة لم تكن وسائل الاختلاس الجلية شيئا مذكورا قياسا مع الوسائل الخفية وهي عديدة : أولها أن كثيرا من المساجد والمدارس والزاويات ( زوايا مشايخ الطرق الصوفية أو المتصوفة ) والمعاهد الخيرية كالمستشفيات أو مطاعم الفقراء ( التكايا ) ونحوها من الأمكنة المضبوطة أوقافها ، سواء كانت مهجورة أو مقفلة الأبواب لكونها في القرى أو في أحياء منزوية عن المدينة ، فكان ديوان الأوقاف يحسب عليها جميع ما تحتاج إليه من النفقات أضعافا مضاعفة ، كما لو كانت عامرة آهلة مفتحة الأبواب ، في حين أنها لا تنفق عليها شيئا