محمد كرد علي
108
خطط الشام
حق قرارها على أنفسهم في حياتهم وعلى ذرياتهم من بعد مماتهم . هذا رأي نبديه من الوجهة الفقهية النظرية ، ولا نفتي ولا نقضي به من الوجهة الشرعية العملية ، وإن كان مناطه المصلحة العامة التي ترمي إليها الشريعة السمحة الواسعة ما لم تتفق عليه كلمة أهل الحل والعقد من علماء الشريعة الإسلامية ، لأن الفرد يخطئ ويصيب . لكن الذي نقطع بإجحافه من الوجهة القانونية هو مصادرة حق قرار الأرض من المتصرف بها بمجرد تعطيلها ثلاث سنوات عن الحرث والزرع بدون معذرة شرعية ، لأن المتصرف بالمنفعة لم يملكها إلا بأسباب شرعية ، وكل ما يملك بسبب شرعي لا يجوز نزعه من مالكه إلا بأسباب شرعية . ضروب الحيل وانتهاك حرمة الأوقاف : الناس محتاجون بسائق الاضطرار إلى البيع والابتياع والمقايضة والمقاسمة ، ما دام الإنسان مدنيا بالطبع ، مضطرا إلى التعامل بالتبادل الذي هو محور دائرة المنفعة الاقتصادية ، وهي دعامة العمران . وقد أورث تهافت السلف على الوقف اصطدام سكونه المؤبد بحركة التعامل الاقتصادي الضروري الاستمرار لأن التصرف بالعقارات الموقوفة بيعا أو شراء ممنوع شرعا ، وبواعث العمران والاقتصاد تقتضي هذا التصرف طبعا ، درءا لخطر الآفات الاجتماعية ، والأزمات الاقتصادية . ولذا اخترعوا - والحاجة أم الاختراع - انتزاعا على ما يقولون من قواعد الإمام أحمد بن حنبل ، ما يدعى في الديار الشامية بالمرصد . وهو الدين الذي على ذمة العقار الموقوف أو الاستيفاء من أجرته بعد استيفاء المتولي عليه مقدارا ماليا معجلا من المستأجر يسمى « خدمة » ، وفرض مقدار مؤجل عليه يستوفى منه مسانهة يسمى دينا مؤجلا ، بشرط أن يكون المستأجر على الموقوف لعمارته أو ترميمه دينا بذمة شخصه ، فإذا أيسر فللمتولي أن يؤدي إلى صاحب المرصد ما كان له على رقبة الوقف ليعيدها إلى جهته طوعا أو كرها . ومرمى هذا المخرج ومغزاه تحرير العقارات الموقوفة بالجملة بمنح التصرف بها بيعا وشراء مراعاة للمصلحة الاقتصادية ، مع تقدير مرتب مقابل