محمد كرد علي
107
خطط الشام
وخلاصة القول أن هذا النوع من الأوقاف السلطانية غير صحيح ، وبالأخلق وقف الوزراء وعمال الولايات . ولو اقترن بموافقة سلطانهم الأعظم ، لأن عمال القرون المظلمة في عهد الحكم الإقطاعي كانوا يقترفون في إيالاتهم ما شاءوا وشاءت أهواؤهم فيقتلون البررة والأبرياء ، ويعفون عن الجناة وقطاع السابلة الأشقياء ، ويصادرون أموال من يشاءون ، ويصلون بها من يشاءون . فإذا كان الموت والحياة بين شفتيهم ، وحقوق العباد الخاصة ألعوبة بين أيديهم ، وأموال الرعية مباحة لديهم ، فأخلق بهم أن يعبثوا بالحقوق العامة كأرض بيت المال الشائعة الانتفاع بين أفراد الأمة ، فراغا بالبيع أو انتقالا بالإرث ، أو إحياء بالعمل مقابل البدل . فقد كان هؤلاء الظلمة يضعون أيديهم على ما يختارونه من أرض إيالتهم الأميرية المملوكة الانتفاع فضلا عن الشاغرة ( وهي ما تدعى بمصطلح قانون الأرضين بالمحلولات الأميرية ) ويتملكون هذا الحق بالتفويض من أنفسهم لأنفسهم ، لأنهم الكل بالكل لا يسألون عما يفعلون ، ما داموا يشترون الولاية على الإيالة بثمن مقطوع ، يؤدونه مسانهة إلى سلطانهم أو أعوانه ، وبعبارة ثانية يفهمها عوام الموظفين الحكوميين ، ما دام الولاة يلتزمون الولاية على الإيالة من أعوان السلطان بالمزايدة ، حتى تصل إلى بدلها اللائق أو الفاحش ، ويقع عليهم المزاد الأخير وتحال إلى عهدتهم إحالة قطعية . وكل وقف من أوقاف السلاطين يتحول من منفعة خاصة إلى مصلحة عامة فهو صحيح والعكس بالعكس . وحكمة ذلك سد الذرائع بوجه الوزراء وعمال الإيالات الظالمين الذين كانوا يطوقون بنفوذهم الأرض الشاغرة ، ويغتصبون المملوكة وينتفعون بحق قرارها ، ثم يحتالون بوقفه خشية المصادرة . وقد مهد لهم سبل الاحتيال المتفقهة المصانعون ، فأفتوهم بصحة الوقف على النفس الذي يروى القول بصحته عن بعض علماء السلف لمصلحة عامة ، وهي ترغيب الناس بالوقف لأن مصيره بعد موت الواقف وانقراض ذريته إلى جهة لا تنقطع ، وهي الفقراء والمساكين الذين لا تخلو منهم الأرض في كل عصر وقطر . لكن متفقهة السوء قلبوا هذه المصلحة مفسدة فأعانوا الظلمة بهذه الفتوى وأضرابها على إفراز المزارع من أرض بيت المال ، وحبس