محمد كرد علي

98

خطط الشام

فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه * ببعض أبت عيدانه أن تكسرا سقيناهم كأسا سقونا بمثله * ولكنهم كانوا على الموت أصبرا ومنذ الزمن الأطول إلى أيامنا ما خلت الشام من عوادة وطنبورية وكراعة وربابية وصناجة ورقاصة وزفانة . ولم يخل عصر بعد زهو الشام على عهد الأمويين والعباسيين ومن بعدهم من المماليك وغيرهم من مبرزين في الغناء والموسيقى . واشتهر في دمشق بضرب القانون وكان أستاذا فيه أحمد التلعفري ( 813 ) كان كاتب المنسوب . ومن النابهين ابن القاطر الدمشقي من أهل القرن الحادي عشر كانت له شهرة عند أرباب هذا الفن فإذا حضروا معه مجلسا عظّموه وتراخوا في العمل حتى يشير إليهم ، ذكر ذلك المحبي وترجم له ولرجب بن علوان الحموي وقال : إن هذا كان يعرف الموسيقى على اختلاف أنواعها وهو أعرف من أدركه وسمع به ، وله أغان صنعها على طريقة أساتذة هذا الفن . ومنهم برسلوم الحلبي رئيس أطباء الدولة العثمانية ونديم السلطان محمد بن إبراهيم كان حسن الصوت عارفا بالموسيقى . واشتهرت أسرة بني فرفور في القرنين الماضيين بدمشق بالشعر والآداب وقد أخرجت رجلين من أبنائها عارفين بالموسيقى وهما جمال الدين وعبد الرحمن . وفي تراجم أهل الغناء الذي كتبه الكنجي المتوفى سنة 1150 ه ترجمة ستة وعشرين مغنيا من معاصريه في دمشق وفيهم المؤذن والمنشد في الأذكار والمغني على الآلات الموسيقية ، مما يدل على الإقبال على الموسيقى حتى في أعصر الظلمات فإذا كانوا في عصره على هذا القدر في دمشق فقط فكم كان في حلب وغيرها من المدن ، وحلب مشهورة من القديم بغرام أبنائها بالموسيقى منذ عهد سيف الدولة بن حمدان ، دع الموسيقيات والمغنيات ممن غفل المؤرخون عن ذكرهم أمثال علوة محبوبة البحتري في حلب التي ذكرها كثيرا في شعره الخالد . ومن الموسيقيين من كانوا يمارسون الموسيقى للتكسب وهم المحترفون ، ومنهم من كان يخدم هذا الفن المهمّ حبا به وهم الهواة ، ومن هؤلاء طبقة من الرجال والنساء لا يستهان بها ولكنها كانت ولا زالت متكتمة ، ومنهم من تستعمل من الموسيقى أو تسمع منها ما لا يعبث بوقارها إن كانت من أرباب