محمد كرد علي
230
خطط الشام
عريف ، ويسمى شيخ الحرف كلها بسلطان الحرافيش ثم كني عنه احتشاما بشيخ مشايخ الحرف والصنائع . وكان لأرباب الصنائع ترتيبات أشبه بالنقابات الصناعية في الغرب ولذلك دام رواجها طويلا . في العهد الأخير نقبت الصناعات النقابات على مثال النقابات الصناعية في الغرب وأصبحت أصوات العمال تسمع ويزيد صداها رنة كلما كثر الصناع . تأثير الصناعات في الماديات والأخلاق : قلت من خطاب في الصناعات يوم الاحتفال بافتتاح الدباغة الوطنية الفنية ( 5 كانون الأول 1924 م - 1343 ه ) لقد فقدت معظم الصناعات ويا للأسف وآخر ما سيفقد منها صناعة النسيج الضرورية النافعة ، فقد كانت صادراته من حلب وحماة وحمص وطرابلس ودمشق تسد جانبا عظيما من الموازنة بما تأتي به من الأموال كل سنة ، فأصبحت الآن إلى انحطاط ونازعتها الأقمشة الإفرنجية البراقة الدقيقة . قيل : إنه كان في دمشق وحدها ثلاثون ألف نول للنسج قبل الحرب فأصبح عددها اليوم نحو ثلاثة آلاف ، ولا تلبث إذا دامت الحال على هذا المنوال أن تضمحل كما اضمحل غيرها من الصناعات ، ويفتقر أربابها ويهاجرون أو يهلكون . وفي كل ذلك خسارة وفجيعة ، وأي فجيعة أعظم من الفجيعة بالمال أو الرجال أو بهما معا . ومما يجنيه القطر من اجتماع الناس على مثل هذه الأعمال الصناعية تربية الروح القومي فيهم وإصلاح ما أمكن من شؤونهم الاجتماعية . وإليكم مثالا جرى في هذا المعمل يتخذ منه العاقل عبرة . ذكر لي مدير مدبغتنا هذه منذ مدة أن مستشار الأمور الاقتصادية في المفوضية العليا زار المعمل وسر بنجاحه كل السرور ونشطه بالقول والفعل ، إلا أنه بدت منه حركة استغربها ، وذلك أنه سأل كثيرا من العملة عن مذهبهم ، وبالطبع فيهم من أهل الأديان السماوية الثلاثة ومن غير الشاميين أيضا . فاستغربت مع صاحبي هذا السؤال منه ولم أهتد لتعليله . ولم يلبث المستشار أن زارني من الغد وذكر لي في جملة حديثه سروره بالمدبغة الجديدة ، وقال : إنكم معاشر الدمشقيين قد حللتم مسألة من أعضل المسائل في بلدكم لم نتمكن نحن في بيروت من حلها . وذلك أننا أردنا