محمد كرد علي

231

خطط الشام

مرة أن نقوم بمشروع صناعي فيها فجاءنا أهل كل مذهب يريدون أن يستأثروا بأكثر المنافع لأبناء طائفتهم . ونحن كنا بالطبع نريد أن ينتفع به من يعمل ويعرف . وهكذا ضاع الوقت في المجادلة على غير طائل ولم نتقدم شبرا واحدا في الموضوع الأصلي ، وسقط المشروع وهو جنين لأن الناس هناك يريدون أن يقوم بذاك الروح . ولقد سررت أن رأيت في معملكم المسلم والمسيحي والإسرائيلي على اختلاف مذاهبهم . وكل فرد يعيش مع أخيه متساندا متعاطفا قلت له : ولذلك استغرب بعض عملة المدبغة سؤالكم أول أمس عن دين من رأيتموه فيه . فقال : ليس في العالم عمل اقتصادي قام على أساس الدين ، ولبنان الكبير غريب في حالته هذه فقلت له : هذه قاعدة قديمة سارت عليها دمشق منذ الفتح الإسلامي فكل من يحسن عملا يوسد إليه مهما كانت نحلته . فسرّ لقولي وسررت لتوفيقنا . بقيت هناك مسألة لا بد من الإشارة إليها وأعني بها تأثير الصناعات في الأخلاق . فقد ثبت أن الأقطار التي تكثر فيها الأعمال الصناعية والزراعية أحسن أخلاقا من غيرها ، ويقل فيها المتشردون والثرثارون ، لأن من طبع العاملين الأخذ بالنافع وترك الفضول على الجملة . ولذلك يضعف الشغب في أرباب الصنائع ، وتقل الموبقات المهلكات ، لأنها لا تبقي للعامل إلا الوقت الكافي لراحته ونومه ، وهو على ثقة من أنه إذا لم يحصر ذهنه في عمله يخرجه صاحب المعمل أو الحقل من خدمته . فالحكومة التي تحب أن يقل الشغب بين من وسد إليها أمرهم يجب عليها أن تفكر ليلها ونهارها في إيجاد أعمال رابحة لهم ، وبذلك يقل المتشائمون والمشاغبون والمرجفون والناقمون . وليس أحسن ولا أنجع من هذه السياسة . لا جرم أن اشتراك أهل البلد الواحد بل القطر الواحد والمملكة الواحدة في عمل اقتصادي مما يرفع مستوى القومية أيضا ويلقن الناس معاني التكافل الوطني . فقد رأينا في الدهر السالف سكان الجنوب وسكان الشمال من فرنسا يقتتلون ويتحاربون ولم تنقطع شأفة الفتن من بينهم إلا عندما اشترك الجنوبي مع الشمالي في الأعمال الاقتصادية ، فأصبحت مصلحتهما واحدة وارتفع النزاع من بينهما وأحسا أنهما أبناء أمة واحدة . لذلك نرى إلى اليوم من بقايا تلك الأخلاق