محمد كرد علي

226

خطط الشام

ولكن الفاتحين من العرب بعد فتحهم أغلب آسيا وإفريقية وعاصمتهم دمشق هادتهم الملوك ، وأغلب هداياهم هي الجواهر الكريمة والذهب حتى امتلأت منها خزائنهم ، وكان الخلفاء منهم يهدون منها القواد والأمراء والأطباء والشعراء والعلماء والفقهاء فكثرت في أيديهم وزادت بطبيعة الحال في أيدي الصاغة ، وتنافسوا في إتقان تلك الصناعة حتى صارت كما ترى اليوم في أعلى درجات الارتقاء . ويمكن أن يعد في جملة الصياغة طبع الدراهم وضرب الدنانير من النقرة المذابة من الذهب والفضة ، فإن الشام كانت من أول الأقطار التي طبعت فيها السكة الإسلامية ، وكانت الدنانير تضرب في الجاهلية بأيلة على البحر الأحمر ، وفي متاحف دمشق وأوروبا نقود ضربت في دمشق وحمص وإيليا وأنطاكية وبعلبك وطبرية أيام عمر سنة ( 17 ) وعليها كلها رسم ملوك الروم ثم اسم المدينة بالعربية واليونانية . وكان لهم مهارة في معرفة البهرج والزيوف من النقود الصحيحة ويذهب بعضهم إلى أن الإكسير إذا أضيف مثقال منه على ألف قنطار من الحديد يستحيل ذهبا خالصا ، ولم يثبت ذلك من طريق الكيمياء وما برح الأحمران الذهب والفضة معدنين خاصين ، ويمكن أن يعد في جملة هذه الصناعة صناعة لصق المينا بالمعدن ومنها نموذج في دار الآثار بدمشق . وفي التاريخ العام أن معامل الشام كانت تصنع الخرز والآنية الذهبية ذات الميناء ، أما صناعة الجواهر والصياغة فإن ما بقي منها يدل دلالة كافية على رقي العرب في صنعها . وكانت العرب تحسن قطع الأحجار الدقيقة ونقشها بالرسوم وزبرها بالصور . صناعة الصدف والرخام : واشتهرت بيت لحم والقدس بصناعة الصدف يعملون منه الصناديق الصغيرة لوضع أدوات الزينة ، والمسابح والصلبان والدبابيس والدويّ والمقاطع ورسوما وطيورا وحيوانات الفيل والأرنب ، وما يصنع من خشب الزيتون أشكالا دليل على رسوخ الصناعة ، وتباع في الغرب كميات كثيرة منها ، لما فيها من دقة الصنعة وجمال الأسلوب والتفنن في الوضع والشكل ، ويتنافس الغربيون في