محمد كرد علي
202
خطط الشام
ما يجمع إلى المتانة الإبداع في الصناعة . قال ابن عربشاه : إن الحريريين في دمشق نسجوا لتيمورلنك قباء بالحرير والذهب ليس له درز فإذا هو شيء عجيب . ولما نجحت الصنائع الإفرنجية - وكانت صناعة الحرائر والطرائف تروج زمنا ثم تنحمق وتكسد - واخترع أحد صناع الإنكليز نسيج الشيت ( اليمني ) كاد يقضى على صناعاتنا هذه ، لولا رجل دمشقي اسمه عبد المجيد الأصفر من أهل هذه الصناعة ، فاخترع القماش المعروف بالديما فحال دون النساجة والبوار دفعة واحدة . ثم إن رجلا اسمه الروماني من أهل دمشق أيضا ، تفنن في المنسوجات الحريرية تفننا عجيبا ، فلما مات كادت هذه الصناعة تموت معه ، وتغلبت المنسوجات الأوربية على منسوجات حلب وطرابلس وحماة وحمص ودمشق لرخص ثمنها ، وكثرة تفننهم في تلوينها ، وتغيير أشكالها وطرازها ، وإن كان البلى يسرع إليها ، وعلى الرغم مما تقدم لم تنفك هذه الصناعة متماسكة أحوالها ، على ما أصاب القطر من الأزمات الاقتصادية . ويزعمون أن ما يتعلق بها من الصنائع حتى تصلح وتصير أثوابا ، يقرب من سبعين صنعة . تصرف مصنوعاتها في الشام ومصر والجزيرة ، وكانت قبل الحرب العامة تصرف منها كميات وافرة في آسيا الصغرى والروم ايلي فلما وضعت في العهد الأخير الحواجز الجمركية في وجهها في تركيا عادت إلى الكساد . ومع هذا لا يزال بعض أهل هذه الصناعة يصنعون الديما وأنواع الحرير والحبر والشال البديع والأعبئة الحريرية للنساء ، ما يتفاخر سياح الإفرنج باقتنائه في بيوتهم ، وإلباس أسرهم منه في السهريات وأوقات السمر ، على حين كان الناس هنا ولا سيما في المدن يزهدون فيها على متانتها وجمالها ، لأنهم بلوا بداء التقليد يقبلون على كل ما تأتيهم به أوروبا ولو كان فيه بوارهم . وأهل معامل الحرير والقطن اليوم في المجدل من عمل غزة وبيروت وبكفيا وزوق مكايل ودير القمر وبيت شباب والكفير وحمص وحماة وحلب وأنطاكية ودمشق ، تعمل فيها الأعبئة والكوفيات والزنانير والملاءات والشراشف والديما والألاجة والنمارق والأرائك والسجوف والشفوف واللحف والبرانس والطيالسة والميازر والبراقع والأزر والجلابيب والقطائف ( المخمل ) .