محمد كرد علي
128
خطط الشام
ما عرف إلا عند الجنس الآري فقط . ومن ذلك الفرس وهم آريون خلفوا للعرب كتاب ألف ليلة وليلة وهو اختراع آري فيه شيء من التمثيل . وكان العرب في الجاهلية والإسلام يرون من سقوط المروءة أن يمثل مجلس الأمير أو الوزير ، وإن كان لا يخلو تمثيله من حكمة ، فكيف بمجلس صبابة ، ومعظم التمثيل يدور عليها ، لا جرم أنهم قصروا في التمثيل ، وتقاعسوا عن اقتباسه عن الأمم الآرية ، وإن عرف من حالهم أنهم لم يأخذوا عن الأمم الأخرى إلا ما اشتدت حاجتهم إليه من أنواع العلوم ، أدمجوه في حضارتهم ومزجوه بأجزاء نفوسهم . وإذ كان التمثيل لا ينطبق مع عادات العرب ولا عرف به مجتمعهم أعرضوا عنه ، وجاء الإسلام موافقا لمصطلحهم وعاداتهم وأخلاقهم في بعض الأحوال . بيد أن العصر الأخير لم يضنّ على الشام بتجلي الآداب الرفيعة فيه ، فقام فيها سنة ( 1282 ه ) في دمشق أيضا رجل من أبنائها هو السيد أحمد « أبو خليل » القباني من المبرزين في الموسيقى المشهود لهم بالإجادة فأنشأ دارا للتمثيل ، وبدأ يضع روايات تمثيلية وطنية ، من تأليفه ونظمه وتلحينه ، ويمثلها فتجيء دهشة الأسماع والأبصار ، لا تقل في الإجادة من حيث موضوعها وأزياؤها ونغماتها ومناظرها عن التمثيل الجميل في الغرب . واعتاض لأول مرة عن النساء بالمرد ، ولما انتقل إلى مصر لنشر فن التمثيل العربي هناك ، عاد إلى الطبيعة واستخدم في كل دور من يصلح له من الجنسين ، ووجه الفخر في أبي خليل أنه لم ينقل فن التمثيل عن لغة أجنبية ، ولم يذهب إلى الغرب لغرض اقتباسه ، بل قيل له : إن في الغرب فنا هذه صورته فقلده ، وقيل : إنه شهد رواية واحدة مثلت أمامه في إحدى المدارس الأجنبية ، ولما كانت عنده أهم أدوات التمثيل وهو الشعر والموسيقى والغناء ورأى أنه لا ينقصه إلا المظاهر والقوالب ، أوجدها وأجاد في إيجادها ، ولذلك كان أبو خليل مؤسس التمثيل العربي ، ونابغة العرب في الموسيقى والتمثيل ، ورواياته التي ألفها ما زالت منذ زهاء ستين سنة وإلى يوم الناس هذا ، موضع إعجاب الأمة ، تمثل في دور التمثيل وتلذ الجمهور مثل رواية أنيس الجليس وغيرها . هذا وإن سبق لمارون النقاش في بيروت فعرب في سنة ( 1848 م ) من إحدى